هل تفضي صفقة القرن في فلسطين إلى صفقة القرن في الصحراء؟ - نيوز بريس
ملف الأسبوع

هل تفضي صفقة القرن في فلسطين إلى صفقة القرن في الصحراء؟

صفقة القرن في فلسطين وصفقة القرن في الصحراء، ما الرابط بينهما، فبقدر ما طالت معاناة الشعب الفلسطيني في انتظار الدولة التي أصبحت حلما يبتعد يوما بعد يوم، طالت أيضا القضية المفتعلة التي أصبحت شوكة في خاصرة المغرب بسبب النزوع الانفصالي في الصحراء.

ومن سخرية القدر أن يكون النزاع المفتعل حول الصحراء ثاني أطول نزاع في العالم بعد القضية الفلسطينية في دهاليز الأمم المتحدة. فمنذ منتصف السبعينيات أنفق المغرب مليارات الدولارات لتأمين وحدته الترابية وبذل المئات من المغاربة أرواحهم ودمائهم في حرب طويلة، واستنزفت هذه القضية الكثير من الجهود الدبلوماسية.

وخضع المغرب في مناسبات عديدة للابتزاز والتآمر، وأثر ذلك على مستقبل الوحدة المغاربية وأضاع الكثير من الفرص التاريخية للتنمية والديمقراطية.

من كوشنر إلى بوريطة

وإذا كان الزمن قد نال كثيرا من الحقوق الفلسطينية، فإن قضيتهم أضحت اليوم في لحظة تاريخية مفصلية بعد التغير الدراماتيكي في موازين القوى في المنطقة العربية. وبعد أن كانت “صفقة القرن” مجرد شائعة غامضة أصبحت بعد إعلانها الرسمي من طرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة رسمية.

وقال ترامب في المؤتمر الصحفي لإعلانها “يعاني الفلسطينيون من فقر وعنف، ويستغلهم أولئك الذين يسعون إلى استخدامهم كبيادق لتعزيز الإرهاب والتطرف. إنهم يستحقون حياة أفضل بكثير”.

وينطوي خطاب الرئيس الأمريكي الذي تجاوز كل قرارات الشرعية الدولية على قناعة خاصة لديه بأن موازين القوى الإقليمية المحيطة بإسرائيل قد تغيرت بشكل يسمح اليوم بالإجهاز على ما تبقى من الحقوق الفلسطينية.

ومنذ بداية تفكير الإدارة الأمريكية في بلورة الخطة الجديدة لتسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي كان المغرب في قلب مجموعة البلدان العربية التي تراهن عليها واشنطن لحشد الدعم للصفقة.

في نهاية شهر ماي الماضي زار مستشار الرئيس الأمريكي وصهره جاريد كوشنر الرباط والتقى بالملك محمد السادس. وأعلن البيت الأبيض حينها أن الهدف من الزيارة هو مناقشة خطة السلام الإسرائيلية الفلسطينية، بصفته مكلفا بهذا الملف داخل البيت الأبيض. وعقب الزيارة كشفت

مصادر عديدة أن المغرب أعرب عن تشبثه بالقرارات الدولية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية مؤكدا على ضرورة الالتزام بحدود 1967.

لكن تصريحات وزير الخارجية ناصر بوريطة يوم الثلاثاء الماضي والتي قال فيها “إننا لا يجب أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم” أوحت للرأي العام أن هناك تغييرا ما حدث في الموقف الرسمي من صفقة القرن.

وزاد هذا الإيحاء قوة عندما أكد الوزير أن القضية الأولى للمغاربة هي قضية الصحراء المغربية. فهل كان رئيس الدبلوماسية المغربية يفتح باب نحو صفقة مقابل الصفقة؟

صفقة مقابل الصفقة

تناسلت التأويلات بخصوص تغير الموقف الرسمي من صفقة القرن عندما ذكرت مصادر إعلامية عديدة أن هناك عروضا أمريكية لتسوية النزاع المفتعل في الصحراء مقابل موافقة المغرب ودعمه لصفقة القرن في الشرق الأوسط.

هذه الصفقة التي تحظى إلى اليوم بدعم بلدين عربيين رئيسيين هما العربية السعودية والإمارات اللتان تجمعهما علاقات تاريخية بالمغرب، لكن هذه العلاقات عرفت في الآونة الأخيرة نوعا من الفتور.

وقبل تصريحات بوريطة الأخيرة ببضعة أسابيع حل بالمغرب الشيخ محمد بن زايد ولي عهد دولة الإمارات والتقى في زيارة خاصة الملك محمد السادس قادما من برلين بتزامن مع انعقاد المؤتمر الدولي حول القضية الليبية.

ومثلت تصريحات بوريطة الذي أضاف إن “هناك مبادرة يجب أن نقول إنها إيجابية ولأول مرة تتحدث عن حل الدولتين” مفاجأة بالنسبة للكثير من المغاربة.

لكن ربط الموضوع بالقضية الوطنية جعل الكثيرين منهم يسترجعون شعار “تازة قبل غزة” معتبرين أن حديث الوزير لا يخلو من العقلانية والمنطق الذي افتقده العمل الدبلوماسي في مراحل تاريخية سابقة كان ينساق فيها وراء المشاعر القومية بعيدا عن أي فعالية أو نجاح.

لكن وزير الخارجية المغربي كان مدركا لحساسية الموضوع وهو يستدرك معتبرا أن قضية فلسطين “قضية أولى للمغرب”، ومشيرا إلى أن السلطة الفلسطينية شكرت المغرب على موقفها من الصفقة الأمريكية. وأضاف “ينبغي أن نثق في دبلوماسية بلادنا، ومن الصعب أن يقول الفلسطيني شكرا والمغربي غير راض”.

لكن تسارع الأحداث يعيد شكوك وجود صفقة مغربية إلى قلب الصورة. فبعد سنوات من دعم المغرب لحكومة الوفاق الليبية أعلن اليوم عن استضافة ناصر بوريطة لشخصية ليبية محسوبة على حكومة حفتر، وهو المسؤول الليبي عبد الهادي الحويج المدعوم من طرف الامارات.
ويرى المحللون أنه رغم اختلاف الرؤى بين المغرب وحكومة حفتر، إلا أن حدث استقبال بوريطة للمبعوث الليبي سيشكل انقلابا في موقف الخارجية المغربية تجاه النزاع في طرابلس.

وسبق وأن أعلنت حكومة حفتر في شرق ليبيا، أن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، وجه دعوة لنظيره في شرق ليبيا عبد الهادي الحويج لزيارة المغرب وبحث سبل تطوير العلاقات بين البلدين.

وكان الحويج سبق أن طلب في حوار مع جريدة الصباح، وساطة ملكية في النزاع الليبي بعدما فشلت أغلب محاولات توحيد الرؤى. وللإشارة، فإن الحويج عاش فترات مهمة في حياته بالمغرب، وله علاقة مع مسؤولين في أحزاب مغربية.

هذا الموقف الجديد والمفاجئ للانفتاح على حكومة شرق ليبيا قد يفهم منه أن مساعي إخراج المغرب من نهج “النأي بالنفس” التي بذلتها بعض القوى العربية الخليجية قد آتت أكلها، خصوصا بعد الإقصاء الذي تعرض له من مؤتمر برلين الأخير.

وإذا أضفنا التحول في القضية الليبية إلى التصريحات بخصوص صفقة القرن، فإن مؤشرات اكتمال الصفقة يمكن أن تتأكد في أفق قريب بالمزيد من المبادرات المنتظرة. وقد كشفت كل هذه المواقف أن هناك توجها رسميا نحو تغيير استراتيجية تدبير الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الخارجية للمغرب.

وظهر جليا من تصريحات الوزير انطلاق مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب الأولويات بعد أن قال إن “قضيتنا الأولى هي الصحراء المغربية وليس القضية الفلسطينية”.

وبدت لغة بوريطة التي رأى فيها البعض قدرا من الاستفزاز مؤشرا واضحا على أن مرحلة إعادة ترتيب الأولويات تمر أولا عبر فك الارتباط القائم بين مصالح المغرب ووحدته الترابية وبعض القضايا القومية العربية والإسلامية.

الصحراء في قلب الصفقة

لطالما كانت قضية الصحراء خارج الأولويات الدولية. تدارُس مجلس الأمن والأمم المتحدة للقضية الوطنية بشكل روتيني في شهري أبريل وأكتوبر حولها بمرور الزمن إلى ملف لا يثير انتباه الكثير من القوى الدولية. دائرة الابتزاز والتآمر لا تخرج عن الدائرة الإقليمية حيث الجزائر تلعب دورا رئيسيا في تعزيز المشروع الانفصالي ودعمه.

وبالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب فإن الكثير من النزاعات الدولية تحتاج فقط إلى قرارات جريئة ومبادرات على غرار تلك التي يريد أن ينفذها في صفقة القرن الفلسطينية.

لكن السوابق الأمريكية في قضية الصحراء لم تكن دائما طيبة. لقد كان الدبلوماسي الأمريكي جيمس بيكر وراء مخططه الشهير الذي كان يدعم الاستفتاء. كما أن المندوبة الأمريكية السابقة في مجلس الأمن كانت وراء توصية شهيرة تقضي بتوسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، والتي خلقت أزمة في العلاقات بين المغرب وواشنطن سرعان ما تم تجاوزها.

غير أن التجربة الأمريكية الفدرالية تعتبر أيضا نموذجا من نماذج الحكم الذاتي الجهوي الناجحة في العالم. وتمتلك الولايات المتحدة كل النفوذ للضغط من أجل حل نزاع مثل النزاع المفتعل حول الصحراء.

ومن منطلق الموقع الذي يمثله المغرب فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية يبدو من المنطقي أن تسعى واشنطن إلى توظيف قضية الوحدة الترابية لأجل إغرائه بتأييد الخطة الأمريكية في الشرق الأوسط.

وبعد أن فقدت الكثير من بلدان المنطقة مثل سوريا والعراق ومصر دورها في دعم المطالب الفلسطينية لم يعد أمام الخطط الأمريكية عائق كبير سوى الأدوار الدينية والروحية التي تلعبها بلدان مثل المغرب والأردن. فهل سيقبل المغرب صفقة القرن في فلسطين مقابل صفقة قرن في الصحراء؟

إقرأ أيضا: “قربلة” مؤتمر البام تهدد بتفاقم الأزمة الداخلية للحزب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق