هل باعت الحكومة الأجراء للباطرونا؟ - نيوز بريس
ملف الأسبوع

هل باعت الحكومة الأجراء للباطرونا؟

قبل أسبوعين من اليوم كانت الحكومة والاتحاد العام لمقاولات المغرب تتداولان في مصير مئات الآلاف من الأجراء الذين يعملون في القطاع الخاص. غطت ظروف الحجر الصحي وحالة الطوارئ التي أثارتها جائحة كورونا على أجواء هذه المفاوضات المكوكية التي لم تتأخر طويلا في الإعلان عن اتفاق ملغوم يسمح للمقاولات الخاصة بتوقيف الموظفين والعمال بمبرر تداعيات الأزمة الناتجة عن تراجع الاستهلاك والطلبات بسبب ظروف الحجر الصحي.

إلى هذه الحدود يبدو الوضع عاديا بالنظر إلى أن الحكومة تحملت مسؤوليتها في الإشراف على تدبير الأزمة، ومن الطبيعي أن يعرض أرباب العمل أيضا تصوراتهم باعتبارهم معنيين بالأضرار التي قد تلحق شركاتهم.

800 ألف موقوف عن العمل

لكن بعد مرور أسبوعين فقط نزل الرقم كالصاعقة، لقد صرحت شركات القطاع الخاص للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بأكثر من 800 ألف أجير متوقف عن العمل. ويصل عدد الأجراء النشطين المصرح بهم لدى “CNSS” إلى ما يناهز 3.47 مليون (النساء 1.1 مليون والرجال 2.3 مليون). وهذا يعني أنه تم توقيف ربعهم عن العمل في أقل من أسبوعين. ويطرح هذا الرقم الضخم بما ينطوي عليه من مآسي ومعاناة اجتماعية واقتصادية كبيرة، علامة استفهام كبيرة حول مصداقيته، وحول مسؤولية المقاولات الخاصة. فالظاهر أن الباطرونا كانوا ينتظرون هذه الفرصة على أحر من الجمر لإحالة الآلاف من العمال على عطالة تتكلف بها الدولة عن طريق الصناديق الاجتماعية، وتتخلص فيها المقاولة من “عبء” الأجور.

وسيستفيد هؤلاء الأجراء من التعويض الجزافي الشهري المحدد في 2000 درهم الذي قررته الحكومة لفائدة المقاولات المتواجدة في وضعية صعبة بسبب أزمة فيروس كورونا المستجد؛ وبالتالي سيتم صرف تعويض جزافي شهري صاف خلال الفترة الممتدة من 15 مارس إلى 30 يونيو 2020 قدره 1000 درهم بالنسبة لشهر مارس، و2000 درهم بالنسبة لشهور أبريل وماي ويونيو. وبالإضافة إلى التعويض الجزافي الشهري، سيستفيد الأجراء المعنيون من خدمات التغطية الصحية الإجبارية والتعويضات العائلية.

وعلى الرغم من أن الاتفاق الأولي بين الحكومة والباطرونا بخصوص التصريح بالمتوقفين عن العمل مقابل التعويض، نص على أن الأنشطة المعنية بهذا الاتفاق سيتم تحديدها إلا أن التعتيم حول تفاصيل هذه الأنشطة يدفع إلى المزيد من الريبة والشك في مدى تحمل الحكومة فعلا لمسؤولياتها في حماية الأجراء من تعسف أرباب العمل. فرقم 800 ألف الذي تم التصريح به للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يدل على أن جل الأنشطة الاقتصادية طالتها عمليات التوقيف عن العمل، بما فيها تلك الأنشطة التي لا يبدو أنها تضررت كثيرا من هذه الأزمة.

هل استغل الباطرونا الفرصة؟

فالحركية التجارية رغم الحجر الصحي لا تزال متواصلة، وهذا يعني أن الكثير من القطاعات الإنتاجية لا تزال تعمل بوتيرة عادية لتزويد الأسواق باحتياجاتها، فمن أين جاء هذا الرقم الضخم من المتوقفين عن العمل؟ لا يستبعد الكثير من المراقبين الاقتصاديين أن تكون المقاولات قد استغلت ظرفية أزمة فيروس كورونا للتخلص من موظفيها وعمالها، والاستفادة من الريع الذي سيقدمه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتسهيلات في أداء القروض البنكية وكذا الإعفاءات والتأجيل على مستوى الالتزامات الضريبية.

وعلى الرغم من أن مسؤولي الاتحاد العام لمقاولات المغرب سبق لهم أن صرحوا بأنهم واعون بضرورة حماية المقاولات ووظائف المغاربة، إلا أن تطور منحنى التوقيف عن العمل يوحي بأن الشركات كانت تنتظر على أحر من الجمر فرصة كالتي نعيشها اليوم للشروع في عملية توقيف الأجراء. ليس هذا الأمر مبالغة أو تحاملا على هذه المقاولات فالتقارير والإحصائيات السابقة تؤكد على الهشاشة التي يعيشها أجراء القطاع الخاص في المغرب، وعلى انتهازية الكثير من المقاولات وعدم احترامها للقوانين الجاري بها العمل. هذه هي حكاية الحد للأجور مثلا.

في العام الماضي كشف تقرير للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مثلا أن 38 في المائة من الأجور المُصرَّح بها سنة 2018 تقل عن الحد الأدنى للأجور (SMIG-السميڭ)، و14 في المائة فقط تفوق 6000 درهم شهري. ويصل الحد الأدنى للأجر حالياً في المغرب إلى إلى 2698 درهماً. وأورد “CNSS”، في تقرير حول حصيلة نشاطه للسنة المنصرمة، أن 45 في المائة من النساء المُصرّح بهن ضمن هذا النظام يتلقين أقل من “السميڭ”، مقابل 35 في المائة لدى الرجال. فعدم الالتزام بالحد للأجور، على هزالته، يعتبر سلوكا قديما من السلوكات الانتهازية التي يعرفها الكثير من أجراء القطاع الخاص، منذ سنوات طويلة.

اليقظة لمن ولماذا؟

مباشرة بعد إعلان جائحة فيروس كورونا من طرف منظمة الصحة العالمية أعلنت وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة عن إنشاء لجنة اليقظة الاقتصادية لتتبع انعكاسات فيروس كورونا المستجد على الاقتصاد الوطني وتحديد الاجراءات المواكبة وذلك في إطار المجهودات الاستباقية التي تقوم بها الحكومة لمواجهة الانعكاسات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة لهذا الوباء.

وضمت هذه اللجنة وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة بتنسيق أشغالها، بين أعضائها كل من : وزارة الداخلية، وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، وزارة الصحة، وزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي، وزارة السياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي، وزارة الشغل والإدماج المهني، بنك المغرب، والمجموعة المهنية لبنوك المغرب، الاتحاد العام لمقاولات المغرب، جامعة الغرف المغربية للتجارة والصناعة والخدمات وجامعة غرف الصناعة التقليدية.

ولوحظ من تشكيلتها غياب ممثلي الشغيلة، من النقابات الأكثر تمثيلية. وهو الغياب الذي يعتبر لغزا في سياق أزمة كان يفترض فيها أن تستحضر جميع الأطراف وتقرب بين كل الفرقاء، لضمان حقوق جميع الفئات والمؤسسات والأفراد.

وبمجرد إعلان تأسيس صندوق تدبير جائحة كورونا، وتقاطر المساهمات من المؤسسات والأفراد عليه، بدا أن الكثير من لوبيات المصالح في القطاع الخاص، تتربص به وتضع عينها على الاستفادة منه. هذا ما عبر عنه صراحة ممثلو قطاع التعليم الخصوصي، ممثلين في رابطة التعليم الخاص التي قدمت طلبا صريحا للحكومة من أجل الاستفادة من اعتمادات الصندوق بدعوى تضررها من الأزمة، علما أن جل مؤسسات التعليم الخاص المدرسي والعالي أحالت أغلب موظفيها على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي للاستفادة من التعويض المذكور، ناهيك عن أنها استمرت في جني أرباحها من واجبات تمدرس التلاميذ بدعوى أنها ضمنت تمدرسهم عبر الاستمرارية البيداغوجية بالتعليم عن بعد.

لكن الخبراء الاقتصاديين يؤكدون أن التداعيات الخطيرة لإجراء التكفل بأجراء القطاع الخاص من طرف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ليست هي التي تم تسجيلها إلى اليوم، وإنما تلك التداعيات المستقبلية بعد انتهاء مهلة الشهور الثلاثة التي سيتلقون فيها التعويض عن العطالة. فالإضافة إلى الانهيار الذي ستعرفه قدرتهم الشرائية، من غير المستبعد أن تودي فترة التوقف عن العمل بسبب أزمة كورونا بآلاف من مناصب الشغل وتنتج حملة تسريح واسعة النطاق يمكن أن تذهب ضحيتها شرائح واسعة من أجراء القطاع الخاص.

ومن المحتمل أن تستغل الكثير من المقاولات الوضع الحالي للتخفيض من أعداد الموظفين والعمال، وإنهاء عقودهم، على الرغم من أن القانون يمنع فسخها في مثل هذه الظروف التي تعتبر داخلة في إطار “القوة القاهرة”. لكن الحيلة الأكثر احتمالا للوصول إلى هذا المبتغى ستتمثل في إعلان الكثير من المقاولات الصغرى والمتوسطة إفلاسها بشكل رسمي للتخلص من كل التبعات الاجتماعية والضريبية السابقة كما هي عادة الكثير من المستثمرين في المغرب.

وتطرح هذه الاحتمالات تحديا كبيرا على الحكومة التي ستصبح مساءلة عن مدى فعالية “اليقظة” التي تم إعلانها، في ظرفية اقتصادية عالمية حساسة لضمان عودة الموظفين والعمال إلى وظائفهم وحماية القدرة الشرائية للمغاربة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق