هجرة الأدمغة.. "حتى قط ما كيهرب من دار العرس" - نيوز بريس
ملف الأسبوع

هجرة الأدمغة.. “حتى قط ما كيهرب من دار العرس”

آلاف الطلبة يغادرون المغرب سنويا للدراسة في الخارج، ينتشرون في مختلف بقاع العالم. في الوجهات التقليدية التي تمثلها فرنسا وبعض الدول الأوربية كألمانيا وإسبانيا، وفي بعض الوجهات الجديدة التي أضحت تستقطب منهم أعدادا كبيرة ككندا والولايات المتحدة الأمريكية والصين وماليزيا. أغلب هؤلاء الطلبة يكملون دراساتهم ويحصلون على شهادات عليا في البلدان التي اتجهوا  نحوها ثم يستقرون هناك ولا يعودون للمغرب إلا كسياح يحنون إلى وطنهم الأصلي، لا تستقطبهم إلا تلك الرغبة الدائمة في زيارة الأهل والأحباب والأصدقاء. هذا ما حدث أيضا لمنصف السلاوي الذي عينه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على رأس فريق سيتكلف بإعداد لقاح لفيروس كورونا المستجد.

لقد غادر السلاوي المغرب بشهادة البكالوريا التي حصل عليها في بداية السبعينيات يسعى وراء تحقيق أحلامه، وهو الذي كان يمني النفس بأن يصبح طبيبا، ويتخرج من أحد الجامعات البلجيكية الشهيرة في هذا الميدان. لم يكتب له أن يكون كذلك لكن  لسخرية القدر سيصبح منصف السلاوي أستاذا في نفس الكلية. وهكذا بعد حصوله على الإجازة في تخصص “البيولوجيا” حضر أطروحة الدكتوراه في بيولوجيا الخلايا والمناعة في الجامعة الحرة ببروكسيل في ظرف ثلاث سنوات. ويبدأ مشواره في عالم اللقاحات والمناعة لينتقل من بلجيكا إلى الولايات المتحدة ويصبح من أعلام هذا المجال وكفاءة تتسابق على الفوز بها أكبر شركات صناعة الأدوية في العالم.

إنه المسار التقليدي الذي قطعته الآلاف من الأدمغة المغربية المهاجرة إلى الخارج. فبعد تكوين أساسي في المغرب، قد يكون أحيانا بدرجات عادية، تنطلق هذه الكفاءات نحو بلدان أوربية أو نحو أمريكا الشمالية أو اليابان لتخترق عوالم العلم والمعرفة والبحث وتثبت كفاءتها هناك.

نزيف متواصل

لكن هذه الهجرة التي تترك وراءها أثرا بالغا في المجتمع المغربي، لا تهم الطلبة فقط، فهناك الكثير من المهندسين والأطباء والباحثين الذين فضلوا خيار الهجرة نحو بلدان الغرب بحثا عن آفاق أفضل، وظروف أحسن لتطوير مهاراتهم وتفجير إبداعاتهم هناك. ويعد المغرب من بين أكثر البلدان التي تعاني نزيف الأدمغة خصوصا في العقدين الأخيرين. لقد استنزفت الهجرة إلى كندا وحدها في السنوات العشرين الماضية آلاف الأطر المغربية التي فضلت الاستقرار في أقاصي أمريكا الشمالية وترك وظائفها وامتيازاتها التي قد تكون أحيانا مريحة ماديا، لكنها تفتقد في نظر هؤلاء الأطر الكثير من مقومات التطور والإبداع. وتقدر أعداد الكفاءات من مستوى عالي التي فضلت الاستقرار في الخارج حوالي 20 ألف إطار مؤهل في مختلف المجالات.

وقد كشفت دراسة حديثة أن المغرب لديه ثاني أعلى معدل لهجرة الأدمغة في منطقة الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، على الرغم من أن محاولات الحكومة إطلاق مبادرات للحد من هذه الظاهرة. وبدأت هذه المبادرات عام 2007 عندما تم إنشاء المنتدى الدولي للكفاءات المغربية في الخارج  (FINCOME) لجذب المهنيين الشباب، والأكاديميين المغاربة، الذين يعملون في الخارج إلى المغرب، وإدماجهم في قطاعات التعليم العالي، والبحث العلمي، والأعمال.

كما كشفت فيدرالية التكنولوجيات الحديثة والاتصال التابعة للاتحاد العام لمقاولات المغرب أن 8 آلاف إطار مغربي عالي المهارة من القطاعين العام والخاص، تهاجر سنويا إلى الخارج، وهو يؤدي إلى نقص حاد وخطير في الكفاءات المغربية التي يحتاج إليها سوق الشغل بالبلاد. ونبهت الفيدرالية إلى استمرار نزيف هجرة الأدمغة المغربية إلى الخارج، لافتة أن 25 في المائة من الأطر العاملين في قطاع التكنولوجيا الحديثة قدموا استقالتهم سنة 2017، بحثا عن فرص عمل محفزة وظروف عيش جيدة خارج المملكة. كما أفادت الفيدرالية أن شركات أجنبية تحل بالمغرب كل أسبوع، وتقوم بتقديم عروض عمل مُغرية للكفاءات المغربية من ذوي الخبرة والكفاءة العالية بشروط مالية محفزة.

وسبق لوزير التربية الوطنية والتعليم العالي، سعيد أمزازي، أن اعترف، قبل أشهر، في تصريحات نقلتها عنه صحيفة “ليكونومسيت”، أن أكثر من 600 مهندس مغربي يغادرون بلدهم كل عام، وهو ما يعادل رقم جميع خريجي أربعة مدارس عليا للهندسة في المغرب خلال عام واحد، وفق المصدر ذاته. وإضافة إلى كل هذا يشهد المغرب هجرة كثيفة للأطباء الذين يهاجرون بالآلاف، إذ نقلت تقارير إعلامية ملخصا لدراسة أنجزها المجلس الوطني للأطباء في فرنسا، بيّنت أن عدد الأطباء المولودين في المغرب والمزاولين للمهنة في فرنسا يصل إلى 6150، جلّهم يعملون بشكل دائم. وتعد فرنسا من الوجهات المفضلة للأطر المغربية لأجل العمل، ويعود ذلك لأسباب متعددة منها اللغة الفرنسية المهيمنة في التكوين العلمي العالي ببلادنا.

لا كرامة لنبي بين قومه

هذه الأرقام المفزعة غيض من فيض هذه الظاهرة المتنامية والتي تهدد مستقبل المغرب وتطوره. لكن ما الذي يدفع هؤلاء الأطر الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى التي تتقاضى في الأصل أجورا متوسطة إلى عالية لمغادرة المغرب؟ لا شك أن الحافز المادي وحده لا يمكن أن يفسر هذه الهجرة الجارفة التي تجعل المغرب يخسر الكثير من طاقاته الواعدة. لقد تحول الأمر إلى ما يشبه الثقافة المتفشية خصوصا في أوساط الشباب، إذا لم يعد الأمر متوقفا على طبيعة العمل أو ظروفه وإنما أصبح مخططا من المخططات الشخصية التي يحملها الطالب المغربي حتى قبل أن يحصل على وظيفة في بلاده.

إذ تقول دراسة حديثة أنجزها موقع   rekrute (مختص في مجال التشغيل) حول المغاربة أصحاب الشهادات العليا إن 91 من القاطنين منهم في المغرب، يرغبون في الهجرة إلى كندا (37 بالمائة) أو فرنسا (25 بالمائة) أو ألمانيا (12 في المائة) أو دول أخرى، رغم أن نسبة كبيرة منهم تشتغل مسبقا. بينما أوضح المهاجرون سلفاً، حسب الدراسة ذاتها المنشورة عام 2018، أن الرغبة في تطوير مسيراتهم المهنية كانت السبب الأول للهجرة. وفي الوقت الذي أكدت فيه 74 من الكفاءات المهاجرة أنها ترغب يوماً بالعودة، قال 44 في المائة من غير المهاجرين إنهم يرغبون بالبقاء في بلدان الهجرة مدى الحياة.

هذه الأسباب التي تعرضها هذه الدراسة تظهر أن الحوافز المادية لا تقف وحدها وراء رغبة الأدمغة في الهجرة، وإنما تتعلق أيضا بتأهيل المسار العلمي والمهني والانفتاح على آفاق جديدة لا تتيحها ظروف عملهم أو دراستهم في المغرب. ويحس الكثير من هؤلاء الأطر أنهم غير مرغوب فيهم في بلدهم بسبب التناقض الذي قد يجدونه أحيانا بين قدراتهم والمجال المتاح أمامهم.، ولسان حالهم يقول “لا كرامة لنبي في قومه”.

لكن الأسباب المادية تبقى حاضرة أيضا في تفسير ظاهرة هجرة الأدمغة التي تجد لها فرصا في المغرب. فقد أفاد تقرير للوكالة الفرنسية للتنمية أن 17 % من حاملي الشهادات العليا بالمغرب يغادرون البلاد نحو الخارج، بحثا عن مناصب شغل تليق بمستوى التحصيل العلمي الذي نالوه خلال مسارهم الدراسي، وذلك بسبب انسداد الأفق بالمغرب. وذكر تقرير المؤسسة الفرنسية بأن استحالة إيجاد فرص عمل بالمغرب هي أهم دوافع هذه العقول للهجرة نحو أفق أرحب في الدول الأجنبية، خاصة فرنسا التي تعد أكثر وجهات الأدمغة المغربية التي تتاح لها فيها الفرصة. فلو وجد هؤلاء فرصا للعمل والتطور داخل المغرب، لما غادروه نحو بلدان المهجر، فلا يوجد “قط يهرب من دار العرس” كما يقول المثل المغربي الدارج.

كفاءات في كل الآفاق

وعلى الرغم الخسارة والنزيف الذي تمثله ظاهرة هجرة الأدمغة إلا أن المغرب والمغاربة كثيرا ما يفتخرون بهذه الوجه الكفؤة التي تشرفهم في مختلف بقاع العالم. هذا ما ظهر بجلاء عندما طفا اسم منصف السلاوي على سطح المتابعة الإعلامية وتحول بين عشية وضحاها إلى نجم من نجوم شبكات التواصل الاجتماعي. لكن هناك الآلاف من المغاربة الآخرين الذين سطع نجمهم في مجالات الإبداع والعلم والتفوق وشغلوا الرأي العام في السنوات الأخيرة.

كان من أشهرهم كمال الودغيري المهندس المغربي الذي يعمل في أرقى مؤسسات البحث الفضائي في العالم، وكالة “ناسا” الأمريكية. هذه الوكالة التي ترتبط في أذهان المغاربة بالتفوق والعبقرية، تحتضن ابن مدينة فكيك مهندس الاتصالات وعالم الفضاء الذي كان ضمن الطاقم المشرف على هبوط المركبتين سبيريت وأوبورتيونيتي على المريخ، وشارك كذلك في عملية إنزال مختبر علوم المريخ، ومنحته الوكالة في أكتوبر الماضي ميدالية “الخدمة الاستثنائية” المرموقة، عرفانا بإنجازاته المتواصلة وإسهاماته المتعددة في مشاريع وبرامج الوكالة الرائدة في مجال الاستكشافات الفضائية.

وقبل سنتين اكتشف المغاربة عالما آخر من بني جلدتهم من بين أكبر المخترعين الذين اشتهروا في السنوات الماضية. إنه العالم والمهندس رشيد اليزمي المولود في مدينة فاس، والمتخصص في مجال علم المواد، ومكّنت أعماله المرتبطة بتطوير مصعد الغرافيت من جعل بطاريات أيون الليثيوم، قابلة للشحن. فاز هذا العالم سنة 2014، بجائزة تشارلز درابر التي تمنحها الأكاديمية الوطنية للهندسة في واشنطن، عن أعماله في مجال تطوير البطاريات، و التي أحدثت طفرة في مجال الإلكترونيات المحمولة، كما فاز بميدالية جمعية مهندسي الكهرباء والإلكترونيات (IEEE) عام 2012، وحصل على وسام جوقة الشرف في فرنسا، والوسام الملكي من الملك محمد السادس عام 2014، واختير كعضو شرفي في أكاديمية الملك الحسن الثاني للعلوم والتكنولوجيا. في 2019 تم إعطاء جائزة نوبل لثلاثة باحثين شاركوا مع اليزمي في تطوير بطاريات أيون الليثيوم، بينما تم إقصاء اليزمي من الحصول على الجائزة بسبب قواعد الحصول على الجائزة والتي لا تسمح بمنحها لأكثر من ثلاثة أشخاص.

ولا تقتصر هذه الكفاءات التي أصبحت نجوما على شبكات التواصل الاجتماعي في المغرب، على الذكور فقط، بل سطعت نجمات من الجنس اللطيف في هذا المجال، خصوصا منذ أن بدأ النقاش في المغرب حول الحاجة إلى الكفاءات في شتى المجالات. كان من بين هذه الكفاءات العالم المغربية كوثر حافيظي التي تم انتخابها عضوا بالجمعية الفيزيائية الأمريكية قبل سنتين. وجرى تعيين حافيظي، في شهر 2017، من طرف إدارة المختبر الوطني “أرغون”، التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، رئيسة لقسم الفيزياء في المختبر، الذي يعتبر واحداً من أكبر وأقدم المختبرات العلمية في العالم.وقضت هذه العالمة المغربية 17 سنة من الخبرة في مجال البحث في الطاقة النووية، بالولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، بعد تخرجها من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1995. وجدير بالذكر أن كوثر حفيظي، تخرجت من جامعة محمد الخامس بمدينة الرباط، سنة 1995، وانتقلت لمتابعة دراستها في فرنسا، سنة 1996، قبل أن تغادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2010، لتستقر بها إلى اليوم.

هذه النماذج الثلاثة مجرد أمثلة محدودة عن هذه “الدياسبورا العالمة” التي تناثرت جواهرها عبر العالم، يستفيد من كفاءتها ومؤهلاتها، في انتظار أن تعود الطيور إلى أوكارها ليستفيد منها الوطن ويتقدم بمساهمتها.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق