مشروع قانون "تكميم الأفواه" .. من صاغه؟ ومتى؟ وهل استوفى الشروط؟ - نيوز بريس
ملف الأسبوع

مشروع قانون “تكميم الأفواه” .. من صاغه؟ ومتى؟ وهل استوفى الشروط؟

تطرح مشاريع القوانين المثيرة للجدل باستمرار مسألة المسطرة الدستورية والقانونية للتشريع في المغرب. وتثير هذه المشاريع كنص مشروع القانون 22.20 الخاص باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي الكثير من التساؤلات عن مصدرها الحقيقي، والدوافع التي أدت إلى صياغتها. برز هذا بوضوح عندما خلقت المسودة المسربة لمشروع القانون المذكور ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأت مكونات التحالف الحكومي تتبادل الاتهامات بين متبرئ ومبرر.

وعلى الرغم من تطوع وزير العدل الاتحادي محمد بنعبد القادر لتحمل مسؤولية صياغة القانون المذكور، إلا أن مضامينه الصريحة المحكومة بهاجس التصدي لحملات المقاطعة مستقبلا، وجهت سهام الاتهام المباشر لحزب التجمع الوطني للأحرار ورئيسه عزيز أخنوش الذي كانت شركة المحروقات التي يمتلكها من بين أكثر الشركات تضررا من حملة المقاطعة في 2018. لكن ما هي المسطرة الدستورية المنصوص عليها في مجال اقتراح المشاريع القانونية؟

من المخول بالاقتراح؟

يحدد الدستور اختصاص مجال القانون (الفصل 71)، حيث يقتسم رئيس الحكومة وأعضاء البرلمان المبادرة التشريعية، أي لرئيس الحكومة ولأعضاء البرلمان على السواء حق التقدم باقتراح القوانين، وفي حالة النزاع بينهما يتم اللجوء إلى المحكمة الدستورية (الفصل 79).

تودع مشاريع القوانين الحكومية بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب (الفصل 78) ماعدا تلك المتعلقة بالجماعات الترابية والتنمية الجهوية والقضايا الاجتماعية التي توضع بدورها بالأسبقية لدى مكتب مجلس المستشارين. ويخصص يوم واحد على الأقل في الشهر لدراسة مقترحات القوانين، ومن بينها تلك المقدمة من طرف المعارضة.

وتحال مشاريع ومقترحات القوانين (الفصل 80، 81، …86) على اللجان الدائمة المعنية بالمجلس قصد مناقشتها والمصادقة عليها. بعد ذلك تتم دراستها والتصويت عليها في الجلسات العامة ليتم إحالتها على مجلس المستشارين. وفي حالة وجود اختلاف بين الصيغة التي صادق عليها كل من المجلسين يعود لمجلس النواب التصويت النهائي على النص الذي تم البث فيه. كما أن للمواطنات والمواطنين، ضمن شروط وكيفيات يحددها قانون تنظيمي، الحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع (الفصل 14 من الدستور).

كيف ومتى يتم إعداد مشاريع القوانين؟

يتم إنجاز دراسات آثار أثناء إعداد مشاريع النصوص التشريعية طبقا للمادة 19 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها حسب أربعة ظروف وسياقات متنوعة إما إذا اقتضت الضرورة ذلك؛ أو بموجب ‏قرار لرئيس الحكومة؛ أو أن يتم إرفاق مشاريع القوانين الرامية إلى سن أي تشريع جديد أو مراجعة تشريع قائم بدراسة حول آثارها؛ أو لتحدد كيفيات إعداد دراسة حول آثارها والمعطيات التي يجب أن تتضمنها بنص تنظيمي. لكن كيفية إعداد مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية بدورها تبقى منهجية تحت سلطة الحكومة التي تحددها في شكل دليل للمساطر التشريعية والتنظيمية.

لكن ليست الكيفية وحدها ما ينبغي الاهتمام به، إذ تعتبر الآجال الزمنية للعملية التشريعية مسألة جد مهمة، وهذا ما يفسر المسارعة إلى وضع مشروع القانون 22.20 وعرضه على مجلس الحكومة والمصادقة عليه في 19 مارس الماضي، لمسابقة الزمن من أجل احترام الآجال الدستورية. إذ تعرض مشاريع القوانين التنظيمية المنصوص عليها في هذا الدستور وجوبا قصد المصادقة عليها من قبل البرلمان، في أجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ هذا الدستور.

هل استوفى مشروع القانون 22.20 الأعمال التحضيرية؟

من أهم العوامل المساهمة في إنجاح العملية التشريعية استيفاء النص القانوني لكل الأعمال التحضيرية التي يمكن أن تساهم في اكتماله وتدقيق صياغته وإغنائه بوجهات النظر المختلفة. وتبدأ هذه الأعمال التحضيرية التقنية بإعداد أرضية مشروع القانون، التي تبدأ ببلورتها عبر خطوات عديدة تشمل إعداد دراسات تقنية وتجميع قوانين مقارنة وإنجاز عروض ومحاضرات وإعداد ميثاق واستخلاص توصيات، وتقديم اقتراحات عملية محددة، وحلولا لمختلف الإشكالات التي يطرحها المشروع؛ ثم تنظيم ندوات وطنية أو دولية من أجل تبادل الأفكار والاستعانة بالخبرات الأجنبية حول الموضوع، واعتماد توصياتها كأرضية للمشروع. وبعد عملية البلورة يتم الشروع في صياغة أرضية المشروع في شكل محاور متسلسلة في بطاقات؛ ثم إنجاز بطاقات لمختلف الحلول المرتبطة بالإشكالات التي يمكن أن يطرحها المشروع. كما يتعين إرفاق الأرضية بوثائق من قبيل الدستور وبعض القوانين الوطنية السارية المفعول؛ والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المصادق عليها والمنشورة بالجريدة الرسمية والقوانين المقارنة؛ والدراسات القانونية المقارنة؛ وكذ الدراسات التقنية المركزة حول نقط محددة.

وبعد الانتهاء من هذه المراحل كلها يتم الشروع في إعداد مسودة المشروع بعد وضع التصور الأولي وهو عبارة عن أفكار مرجعية للمشروع. ويطلب من الجهة المكلفة صياغة الأفكار الواردة في التصور الأولي، بلغة قانونية محكمة؛ وملاءمتها مع أحكام الدستور والمبادئ القانونية العامة، والقوانين السارية المفعول؛ وتأسيس لجنة لصياغة مسودة مشروع، تتكون من خبراء وأساتذة جامعيين وقضاة ونقباء ومحامين وأطر إدارية. وبعد الصياغة تأتي مرحلة مراجعة المسودة ومختلف أبواب ومواد وفقرات ومقتضيات المشروع، من أجل استدراك الأخطاء؛ وإحالة المشروع إلى مديريات أخرى لإبداء ملاحظاتها بشأنه؛ وجمع الملاحظات وتحديد الأحكام التي ينبغي مراجعتها، وإعادة صياغتها، أو إضافتها؛ ثم إعداد صياغة رسمية لمشروع القانون.

متى بدأ إعداد مشروع القانون 22.20؟

إن المتأمل لهذه المراحل كلها يدرك أن الوعاء الزمني الكافي لإنجازها طويل وممتد، وإذا كان المغاربة قد تفاجؤوا نوعا ما بنص المشروع القانوني المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي، فإن ما نفهمه من خلال الربط بين هذه الأعمال التحضيرية وبين النص القانوني أن عملية التحضير لمشروع القانون 22.20 بدأت قبل أكثر من سنة أو على الأقل قبل شهور، إلا إذا كان النص جاء جاهزا من جهة خارجية ليتم اقتراحه على الحكومة وإدخاله في مراحل المصادقة والتصويت مباشرة. ولنتذكر في هذا السياق كيف تم تكليف الوزير الاتحادي محمد بنعبد القادر في أكتوبر 2019 بحقيبة وزارة العدل قادما إليها من وزارة الوظيفة العمومية. وهنا يطرح السؤال هل جاء الرجل إلى هذا المنصب لأجل هذه المهمة بذاتها، أي التضييق على حرية التعبير في شبكات التواصل الاجتماعي؟ وهل كان انكبابه على صياغة مشروع القانون هو ما شجع وزير الفلاحة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار في دجنبر الموالي على إطلاق تهديده الشهير بإعادة تربية من تنقصهم التربية على حد قوله؟ أما الاحتمال الثاني، فهو أن تكون مسطرة إعداد مشروع القانون بدأت مباشرة بعد انطلاق حملة المقاطعة في 2018، وخصوصا بعد أن أثبتت استمراريتها وتأثيرها الاقتصادي البليغ على المقاولات التي استهدفتها.

ما يؤكد هذين الاحتمالين هو غياب مرحلة مهمة جدا من مراحل الأعمال التحضيرية التي تخضع لها مشاريع القوانين عادة ألا وهي محطة استشارة الرأي العام. إذ يفترض أن يتم نشر مسودة أي مشروع ثم تجميع ملاحظات واقتراحات المواطنات والمواطنين؛ ثم تصنيف الملاحظات والمقترحات القانونية والعامة. وبعد ذلك يتعين إعداد مذكرة تقديم المشروع التي تتضمن عدة عناصر منها عرض الأسباب الداعية إلى سن مشروع القانون؛ وبيان الجدوى والفائدة من المشروع؛ وتحديد الغايات والأهداف من المشروع.

لغز الأمانة العامة للحكومة

يمكن لمتصفح الموقع الإلكتروني للأمانة العامة للحكومة (http://www.sgg.gov.ma/arabe/Accueil.aspx) أن ينبهر نوعا ما بسعته وغنى مضامينه وتوثيقه لمختلف النصوص التشريعية المعروضة على الحكومة والوزراء. لكن المستغرب أنه لا يتضمن أي أثر لمسودة أو مشروع القانون 22.20، علما أن هذه الوزارة تعتبر أول محطة يمر بها مشروع القانون من أجل تمحيصه ودراسته قبل عرضه على هيئات أخرى. وتفترض مصادقة المجلس الحكومي في 19 مارس الماضي على القانون المذكور أن تكون الأمانة العامة للحكومة قد أدلت برأيها فيه.

وتعتبر مهام هذه الوزارة حاسمة جدا في رحلة القوانين إلى المصادقة إذ تعمل على دراسة مشاريع القوانين المحالة إليها من قبل القطاعات الوزارية وذلك من أجل التحقق من مطابقتها لأحكام الدستور(المادة 4 من المرسوم رقم 2.09.677 يتعلق بتنظيم الأمانة العامة للحكومة؛ ج ر عدد 5869 بتاريخ 30 أغسطس 2010،ص 4150)؛ والتحقق من عدم تعارض مقتضياتها مع النصوص التشريعية والتنظيمية السارية المفعول (المادة 4 من المرسوم رقم 2.09.677)؛ ودراسة كل مشروع من الناحية القانونية لجميع مواده وأحكامه ومدى انسجامها مع بعضها. كما تعمل الأمانة العامة للحكومة على إنجاز الترجمة الرسمية للمشروع، فجل المشاريع تكتب باللغة الفرنسية (المادة 4 من المرسوم رقم 2.09.677). كما تعقد اجتماعات مع القطاعات الوزارية، وإجراء الاستشارات مع الادارات المعنية، من أجل ضمان صياغة موحدة للمشروع.

إن الانتهاء من دراسة مشاريع القوانين من قبل الأمانة العامة للحكومة بتنسيق مع القطاعات الوزارية المعنية، لا يعني نهاية المشوار، بل هناك مراحل أخرى طويلة من الدراسة والتمحيص تشمل دراسة مشاريع القوانين من قبل هيئات النهوض بالتنمية البشرية وهيئات الحكامة الجيدة والتقنين؛ وتوزيع مشاريع القوانين على أعضاء الحكومة؛ ثم إدراج مشاريع القوانين في جدول أعمال مجلس الحكومة؛ وإدراج مشاريع القوانين في جدول أعمال المجلس الوزاري؛ ثم إيداع مشاريع القوانين لدى مكتب أحد مجلسي البرلمان، حيث سيبدأ مشروع القانون رحلته الطويلة في المناقشة داخل اللجان والجلسات العامة قبل التصويت عليه.

فهل استوفى مشروع القانون 22.20 كل هذه المراحل والأعمال التحضيرية أم أنه كان طبخة دبرت بليل؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق