غوغل وآبل في مواجهة كورونا.. هل اختراق الخصوصية هو الحل؟ - نيوز بريس
تكنولوجيا

غوغل وآبل في مواجهة كورونا.. هل اختراق الخصوصية هو الحل؟

بينما تواجه شبكة فيسبوك الاجتماعية، وبعض الشركات الأُخرى، دعاوى قضائية بسبب تعقّب حركة المُستخدمين ومواقعهم الجغرافية دون علمهم، أعلنت كلٌّ من غوغل وآبل عن تعاون نادر الحدوث فيما بينهما على المستوى التقني لمواجهة “فيروس كورونا المُستجد” (Covid-19)، تعاون يعتمد على تعقّب موقع المُستخدم الجغرافي والأشخاص الذين التقى بهم، في تجربة مُشابهة لما قامت به كوريا الجنوبية قبل خمسة أعوام تقريبا، وهو ما فتح باب التساؤلات حول مصير الخصوصيّة في وجود مثل تلك الحلول.

إعلان حالة الطوارئ

عُلِّقت على كاهل الشركات التقنية آمال كثيرة في ظل الانتشار السريع لفيروس كورونا المستجد (Covid-19) في ظل امتلاكها للموارد الماديّة والتقنية التي تسمح لها الحد بشكل أو بآخر من انتشار هذا الوباء، لكنها خلال الأسابيع الأولى لم تكن على قدر المسؤولية، فهي باستثناء الالتزامات الماديّة، لم تُقدِّم للعالم أي ابتكار للمُساعدة في هذه المحنة، لتأتي غوغل وآبل بإعلان التعاون المُفاجئ لتغيير هذه النظرة التي جاءت من واقع أن الشركتين تُسيطران على سوق الهواتف الذكيّة حول العالم مع وجود 2.5 مليار إلى 3 مليارات جهاز نشط في الوقت الراهن.

بحسب الإعلان الرسمي، فإن التعاون الجديد ستنتج عنه تقنية جديدة لتتبّع نشاط المُستخدم بالاستفادة من تقنية “بلوتوث” (Bluetooth) الموجودة في مُعظم الأجهزة الذكية المُستخدمة حول العالم، وهي تقنية اتصال بمدى يصل إلى 100 متر تقريبا، وهو ما سيسمح للأجهزة الذكيّة بمعرفة الأشخاص المُجاورين لتسجيلهم ضمن قاعدة بيانات موحّدة. المشروع سيتم على مرحلتين، الأولى سينتج عنها تطبيق في مُنتصف (ماي) 2020 للاستفادة من التقنية الجديدة، والثانية ستكون على هيئة واجهات برمجية مُدمجة داخل نظام التشغيل ذاته، “آي أو إس” (iOS) من آبل وأندرويد من غوغل، وبالتالي سيحصل الجميع على تلك التقنية خلال شهرين أو أكثر بقليل.

أما عن آلية العمل فالموضوع بسيط جدا، بعد تثبيت التطبيق والموافقة على منحه صلاحيات مُشاركة الموقع، سيقوم التطبيق بالتواصل مع الأجهزة القريبة من المُستخدم باستخدام تقنية “بلوتوث”، وسيقوم بتخزين مُعرّفاتها العشوائية ضمن قاعدة بياناته الخاصّة لمدة 14 يوما فقط، الفترة التي يُمكن للجسم فيها احتضان فيروس كورونا المستجد (Covid-19) دون ظهور أي أعراض عليه. بعدها، وفي حالة تأكيد إصابة أحد المُستخدمين، يُمكن فتح التطبيق وتأكيد الأمر عبر زر خاص، حينها سيقوم التطبيق بالبحث ضمن قاعدة البيانات عن جميع الأشخاص الذين كانوا على تواصل مع الشخص المُصاب لتنبيههم بشكل فوري. ما سبق يعني أن الاستفادة القصوى من التطبيق ستكون عند تثبيته من قِبل جميع المُستخدمين من جهة، والتبليغ عن الإصابة من جهة أُخرى. وبهذا الشكل سيُساهم الجميع في الحد من انتشار الوباء عبر تنبيه الأشخاص الذين كانوا موجودين في الأماكن نفسها التي ارتادها الشخص المُصاب.

مُغالطات تقنية

فتح الإعلان عن التقنية الجديدة باب التساؤلات حول مصير الخصوصيّة، فتعقّب نشاط المُستخدمين وتحرّكاتهم أمر غير مقبول وتُحرِّمه تلك الشركات بالأصل، دون نسيان إمكانية وجود تبليغات كاذبة أو خاطئة لأن مسافة 100 متر التي تعمل بها تقنية بلوتوث كبيرة نوعا ما ولا تعني بالضرورة أن الشخص المُصاب قد اقترب كثيرا من بقيّة المُستخدمين.

بداية، أكّدت الشركتان أن الموقع الجغرافي للمُستخدم، أي إحداثياته على الخارطة، لن تُجمع أبدا، وإلا لوقع الاختيار على تقنية تحديد الموقع الجغرافي (GPS). لكن للحد من أي مخاطر على خصوصيّة المُستخدمين، تم اللجوء إلى تقنية “بلوتوث”، وتحديدا الجيل الرابع الذي يدعم استهلاك الطاقة المُنخفض (Bluetooth Low Energy)، وبالتالي لن يؤثّر التطبيق لا على استهلاك بطاريّة الجهاز، ولا على خصوصيّة المُستخدم، لأن التطبيق لن يجمع، ولن يُسجّل، أي إحداثيات للموقع الجغرافي، وسيتكفل فقط بالبحث عن مُستخدمي التطبيق الموجودين بالقُرب من المُستخدم لتسجيل مُعرّفاتهم العشوائية للعودة إليها خلال 14 يوما في حالة إصابة أحدهم.

وفي وقت يبدو فيه استخدام تقنية “بلوتوث” منطقيا، فإن مداها الواسع من شأنه إحداث بعض اللغط، فمن الوارد أن يكون أحد مُستخدمي التطبيق يقف في أول الطابور ومُستخدم آخر في آخره، لكن التطبيق سيُسجّل أنهما كانا موجودين على مُقربة، وفي حالة إصابة أحدهما، سيُبلَّغ الآخر بضرورة الكشف، الأمر الذي قد يُسبب نوعا من القلق أو الهلع، وهنا يأتي دور الجهات الطبيّة في توفير أدوات للكشف عن حاملي “فيروس كورونا المُستجد” لطمأنة المُستخدم من مبدأ “درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج”.

ماذا عن قاعدة البيانات العامّة التي سيعتمد التطبيق عليها، هل ستكون الجهات الحكومية قادرة على سحب البيانات منها في أي وقت؟ الإجابة عن هذا السؤال لا يُمكن الجزم بها، فالآلية التي تُناقشها غوغل وآبل الآن تؤكّد أن المُعرّفات المُسجّلة في قاعدة البيانات لا تدل على المُستخدم أبدا، فحتى لو وصلت الجهات الحكومية لتلك البيانات فإنها لن تكون قادرة على تحديد المُستخدمين وهوياتهم، لكنها قد تكون قادرة على معرفة صاحب المُعرّف في حال تأكيد إصابته، ومن ثم تتبّع الأشخاص الذين كانوا على مقربة منه، وهي عملية تبدو بدائية نوعا ما في ظل وجود طرائق أكثر تعقيدا ودقّة مُستخدمة على نطاق واسع من قِبل تلك الهيئات.

لم تكن غوغل وآبل أول مَن ابتكر نظام تعقّب المُصابين وتنبيه الأشخاص الذين تواصلوا معهم، فكوريا الجنوبية، ومثلها سنغافورة، كانتا سبّاقتين في هذا المجال. لكنهما، أي غوغل وآبل، قدّمتا نظاما يضمن خصوصيّة المُستخدمين عكس تجربة بُلدان الشرق الآسيوي التي تتعقّب نشاط المواطنين دون موافقة شخصيّة.

في 2015، انتشرت مُتلازمة الشرق الأوسط التنفسيّة (Middle East Respiratory Syndrome) في كوريا الجنوبية، وبعض دول الشرق الآسيوي، الأمر الذي تنبّهت له كوريا فورا وتعلّمت منه في ذلك الوقت عبر توفير أدوات للكشف عن المُصابين بتلك المُتلازمة أولا، ومعرفة الأشخاص الذين تواصل المُصاب معهم ثانيا، وهي منذ ذلك الوقت قادرة على تعقّب نشاط المواطنين وطلب أي معلومات عنهم دون الحاجة إلى أوامر من المحكمة.

مع انتشار الوباء الجديد، وفي وقت كانت كوريا الجنوبية تُسجّل فيه نسب إصابات مُرتفعة، عملت الحكومة على توفير أدوات فحص لتُصبح قادرة على إجراء الاختبارات على أكثر من 20 ألف شخص يوميا. وبالاستفادة من نظام المُراقبة الموجود في البلاد، يُمكن تعقّب نشاط أي شخص مُصاب وعزل الأشخاص الذين التقى بهم أو كان على اتصال جسدي مُباشر معهم، وهو ما ساعدها على تقليل عدد المُصابين واحتواء الأزمة، ليبدأ سُكّان كوريا الجنوبية بالعودة للشوارع في وقت بدأت فيه بعض الدول في تطبيق الحظر الشامل.

الحالة رقم 31 في كوريا الجنوبية هي التي بدأت عمليات التعقّب منها بعدما توجّهت امرأة إلى المشفى بسبب شعورها بالحُمّى، ولأن أدوات الكشف عن فيروس كورونا المستجد (Covid-19) متوفّرة، تأكّدت إصابتها، لتتدخّل الدولة فورا وتبدأ بسحب سجّلات حركة المُصابة لعزل الأشخاص الذين تواصلت معهم، أو أولئك الذين كانوا موجودين في الأماكن نفسها التي ارتادتها، وبالتالي نجحت الحكومة بشكل أو بآخر في السيطرة على الحالة والحد من تفشّي الوباء في البلاد. وهنا تظهر أهمّية تقنية آبل وغوغل، لأنه بعد الكشف عن الشخص المُصاب، كل شيء يبدأ من معرفة الأشخاص الذين كانوا على مقربة منه لعزلهم بشكل فوري والتأكّد من سلامتهم لمنعهم من أن يكونوا سببا في انتشار الوباء.

في ظل عدم وجود علاج فعّال في الوقت الراهن، فإن الاعتماد على نماذج أثبتت فعاليتها ونجاحها هو الحل الأمثل الذي يُمكن للشركات التقنية الرهان عليه، صحيح أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة لم تؤدِّ وظيفتها حتى الآن، لكنّ حلولا بسيطة مثل تطبيق تعقّب نشاط المُستخدم من شأنه عزل المُصابين، وتنبيه البقيّة لإجراء الفحوصات اللازمة. ومَن يدري، قد يكون تخزين فيسبوك لتحرّكات المُستخدمين كضارّة نافعة، قد تلجأ الحكومات إليها إن لزم الأمر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق