هيدروكسي الكلوروكين..جرعة أمل أم وهم باعه الفرنسيون للعالم؟ - نيوز بريس
ملف الأسبوع

هيدروكسي الكلوروكين..جرعة أمل أم وهم باعه الفرنسيون للعالم؟

لا يزال عقار هيدروكسي الكلوروكين يسيل المداد ويثير الجدل عبر العالم، بعد أن اتخذت منظمة  الصحة العالمية وبعض البلدان الأوربية قرارا مفاجئا بالتوقف عن توظيفه في علاج المصابين بفيروس كوفيد 19. وبينما مثل هذا العقار بالنسبة لبعض الخبراء والباحثين أملا وترياقا منقذا، زاد الجدل من حوله بصدور دراسات علمية تطعن في نجاعته وفعاليته في علاج المرضى. ودخل هذا العقار في قلب زوبعة اتخذت أبعادا سياسية ونسجت من حولها الكثير من المؤامرات والدسائس، التي تتهم المختبرات الصدلية ولوبيات الأطباء. فهل كان عقار الكلوروكين حلا ناجعا أم أنه مجرد وهم باعه الفرنسيون للعالم؟

رحلة عبر العالم

قطع هذا العقار رحلة طويلة عبر العالم لينتزع مصداقيته والثقة في نجاعته. في 13 فبراير 2020، أوصت فرقة عمل كورية جنوبية باستخدام هيدروكسي كلوروكين وكلوروكين للعلاج التجريبي لمرض فيروس كورونا. أظهرت الدراسات المختبرية في مزارع الخلايا أن هيدروكسي كلوروكوين أكثر فاعلية من الكلوروكين ضد فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة النوع.

في 17 مارس 2020، أعربت اللجنة الفنية العلمية التابعة لوكالة الأدوية الإيطالية عن رأي إيجابي بشأن تضمين استخدام كلوروكين وهيدروكسي كلوروكوين بصورة غير رسمية في علاج كوفيد-19. كما كان الصينيون أول من استخدم العقار عند بداية الجائحة وأثبت استخدامه نجاعة نسبية في علاج المرض. وفي المقابل ورغم تحفظ الحكومة الفرنسية منذ بداية اقتراح هذا العلاج، إلا أن تخيير الأطباء في وصفه للمرضى حول هذا العلاج إلى أمل كبير لدى جل بلدان العالم. وبدأ استخدامه في فرنسا نهاية مارس وكان قد سمح به فقط في المستشفيات وحصرا لمعالجة الإصابات الخطرة، بناء على قرار للجان الأطباء.

وساهمت مداخلات البروفيسور ديدييه راولت، الذي يرأس قطب البحث في مستشفى مرسيليا، في تعزيز أهمية هذا العلاج. فقد دافع راولت عن نجاعة الكلوروكين الذي يعتبر في الأصل علاجا لمرض الملاريا، وحول البحث الأول الذي أنجزه البروفيسور العقار  إلى علاج سحري لا بديل عنه. وقد أغرى موقف الدكتور راولت الرئيس الأمريكي بتبني هذا العلاج. وتحدث عنه رسميا في 20 مارس الماضي ليبشر به كعلاج واعد للفيروس. وقال ترامب حينها في إيجاز صحفي إن دواء اسمه “هيدروكسي كلوروكوين، الذي يستخدم في علاج الملاريا، وأحيانا تصلب المفاصل؛ حقق نتائج واعدة، وجرت عليه تجارب سريرية”. وأضاف أن إدارة الدواء والغذاء ستجيزه قريبا، ليكون متوافرا في السوق الأميركية لعلاج حالات فيروس كورونا، كما أكد أن حاكم إحدى الولايات الأميركية طلب هذا الدواء لتزويد سكان ولايته به.

وبعد أسابيع طويلة من الجدل المثار حول العقار الملاريا، هيدروكسي الكلوروكين قررت منظمة الصحة العالمية بشكل مفاجئ يوم الإثنين الماضي تعليق التجارب التي تتضمن العقار. وأعلنت منظمة الصحة العالمية تعليق التجارب السريرية لعقار هيدروكسي كلوروكين لعلاج كوفيد-19، حتى إشعار آخر. وأعلنت المنظمة أنها علقت “مؤقتا” التجارب السريرية للعقار والتي تجريها مع شركائها في دول عدة، وذلك في إجراء وقائي. وأوضح المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، في مؤتمر صحفي عبر الإنترنت، أن هذا القرار يأتي بعد نشر دراسة، الجمعة، في مجلة “ذي لانسيت” الطبية، اعتبرت أن اللجوء إلى الكلوروكين أو مشتقاته مثل هيدروكسي كلوروكين للتصدي لكوفيد-19، ليس فعالا وقد يكون ضارا.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية أنها تعتزم الإسقاط المؤقت للعقار –الذي قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يتناوله – من دراستها العالمية لعلاجات كوفيد – 19 التجريبية، قائلة إن خبراءها بحاجة إلى مراجعة جميع الأدلة المتاحة حتى الآن.  وما زالت العلاجات الأخرى في الدراسة، بما في ذلك العلاج التجريبي “رمديسيفير” والعلاج المركب لفيروس نقص المناعة البشرية، قيد المتابعة. وتزامن هذا الإعلان مع إعلان ترامب رسميا قطع علاقات بلاده مع منظمة الصحة العالمية.

تبشير ثم تعليق ثم تشبث

بعد إعلان  منظمة الصحة العالمية تعليق التجارب حول هيدروكسي كلوروكين تلتها الكثير من البلدان الأوربية التي وجهت ضربة قاضية لهذا الدواء. كان على رأسها فرنسا، التي كانت أكثر البلدان التي أعطت دفعة قوية لهذا الدواء على الرغم من التحفظ الرسمي المعلن. فمباشرة بعد توقف منظمة الصحة العالمية عن التبشير به كعلاج، أعلنت السلطات الفرنسية الأربعاء الماضي عن وقف استخدام عقار هيدروكسي كلوروكين في علاج مصابي فيروس كورونا استنادا لتوصيات المجلس الأعلى للصحة العامة. وألغت الحكومة الفرنسية الأربعاء التدابير الاستثنائية التي كانت تجيز استخدام عقار هيدروكسي كلوروكين في علاج المصابين بفيروس كورونا في المستشفى خارج إطار التجارب السريرية، وذلك تجاوبا مع رأي أدلى به المجلس الأعلى للصحة العامة، بحسب مرسوم نشر في الجريدة الرسمية. قرار  فرنسا تلته قرارات مماثلة في بلجيكا وغيرها من البلدان الأوربية.

لكن بالمقابل تشبث المغرب باستخدام هذا العقار في علاج المصابين خصوصا  بعد أن عرفت نسبة الوفيات انفخاضا كبيرا بسبب الفيروس، منذ أن أصبح العقار معمما وبشكل قبلي على كل المصابين أو المخالطين أو العاملين في مجال الصحة من أطباء وممرضين. وصرح وزير الصحة لبعض الصحف الوطنية بالقول إن استخدام كلوروكين أفضى إلى علاج مرضى فيروس “كورونا” بالمغرب محققا نتائج إيجابية، وبالتالي فقد ساهم في الحد من تفشي الوباء.

وأكد الوزير أن المغرب لن يغير بروتوكول العلاج المعتمد، وغير متفق مع نتائج الدراسة التي كشفت عنها المجلة البريطانية المتخصصة في البحث العلمي “لانسيت” والتي كانت نتائجها قد حذرت من تداعيات استخدام هذا الدواء.

لقد كان من الممكن أن يشكل تعليق منظمة الصحة العالمية التجارب على الهيدروكسي كلوروكين، نهاية هذا الاعلاج المحتمل لكوفيد-19. لكن الدراسة التي دفعت المنظمة إلى اتخاذ هذا القرار، تتعرّض لهجمات من كل حدبٍ وصوب، ما يعيد إحياء النقاش حول هذا العقار المثير للجدل.

دراسة مثيرة للجدل

وتستند الدراسة المذكورة التي نُشرتها مجلة “ذي لانسيت” في 22 ماي الجاري، إلى بيانات حوالى 96 ألف مريض أدخلوا إلى المستشفيات بين دجنبر وأبريل في 671 مستشفى، وتقارن حالة أولئك الذين تلقوا العلاج بحالة الذين لم يُعط لهم.

وخلص الدكتور مانديب مهرا وزملاؤه إلى أن العلاج لا يبدو أنه مفيد للمصابين بكوفيد-19 الذين يتمّ إدخالهم إلى المستشفى وقد يكون مضراً. وقال أحد معدّي الدراسة سابان ديسي الجمعة لوكالة فرانس برس “نحن فخورون بالمساهمة في الأعمال المتعلقة بكوفيد-19 في فترة “عدم اليقين” هذه.

وكانت نتائج الدراسة التي تصبّ في الاتجاه نفسه لدراسات أخرى على نطاق أصغر، هي الدافع إلى إعلان منظمة الصحة العالمية تعليق على سبيل الوقاية، التجارب السريرية التي كانت تجريها على هذه المادة مع شركائها في عدة دول. وتمّ تعليق تجارب سريرية أخرى، وحظّرت بعض الدول من بينها فرنسا استخدام الهيدروكسي كلوروكين، لعلاج كوفيد-19، وسط استياء كبير لدى المروّجين له.

وأولهم كان البروفيسور ديدييه راولت الذي اعتبر فوراً أن دراسة ذي لانسيت “لا قيمة لها”. وتعرضت أعماله التي خلصت إلى فعالية تناول الهيدروكسي كلوروكين مع مضاد حيوي الأزيتروميسين، للانتقاد.

لكن حتى باحثين مشككين في فعالية العقار ضد كوفيد-19، عبّروا عن شكوكهم بدراسة “ذي لانسيت”. وفي رسالة مفتوحة نُشرت مساء الخميس الماضي، أشار عشرات العلماء من كافة أنحاء العالم من جامعة هارفارد إلى إمبريال كوليدج في لندن، إلى أن دراسة ما نُشر بشكل دقيق “أثارت مخاوف على صلة بالمنهجية المتبعة وبسلامة المعطيات”.

ووضعوا قائمة طويلة من النقاط الإشكالية، بدءاً من التناقضات في الجرعات المعطاة في بعض الدول، إلى مسائل أخلاقية بشأن جمع المعلومات عن المرضى، مروراً برفض معدّي الدراسة السماح بالاطلاع على البيانات.

هدم الأمل

وتأتي هذه البيانات من شركة “سورجيسفير” التي تقدّم نفسها على أنها شركة تحليل بيانات صحية ومقرها الولايات المتحدة. وأكدت الشركة التي يديرها سابان ديسي، أن الاتفاقات مع شركائها المستشفيات تمنعها من تشارك البيانات التي دافعت عن نزاهتها.

إلا أن مجلة “ذي لانسيت” نشرت الجمعة تصحيحاً بشأن وفيات نُسبت إلى مستشفى أسترالي، كان قد تمّ احتسابها على أنهم في آسيا. وقال العلماء الموقعون على الرسالة المفتوحة إن هذا الأمر “يشير إلى الحاجة للتحقق من الأخطاء في مجمل قاعدة البيانات”، مطالبين على سبيل المثال منظمة الصحة العالمية بأن تشكل مجموعة مكلفة إجراء تحليل مستقل حول نتائج الدراسة.

وأكد الدكتور مهرا أمس الجمعة لفرانس برس أن “تحليلاً أكاديمياً مستقلاً للبيانات” بدأ. وأكد أن “نتائج وخلاصات وتفسيرات الدراسة تبقى نفسها”، مشيراً إلى الطابع “الوسيط” لهذه الدراسة القائمة على الملاحظة في انتظار نتائج التجارب السريرية “الضرورية للتوصل إلى خلاصة” بشأن الهيدروكسي كلوروكين.

ورداً على أسئلة حول هذه المسألة الجمعة الماضية أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن تعليق التجارب على الهيدروكسي كلوروكين “موقت”، وأن خبراءها سيعطون “رأيهم النهائي” بعد دراسة عناصر أخرى (لا سيما التحاليل الموقتة لتجربة سوليداريتي)، على الأرجح بحلول منتصف يونيو.

ويُرتقب صدور معطيات من تجربة “ريكوفري” البريطانية، ويشمل جزء منها الهيدروكسي كلوروكين. ويعتبر المسؤولون عن هذه التجربة أنه، استناداً إلى بيانات الوفيات لديهم، ليس هناك “سبب مقنع لتعليق” تجربتهم “لأسباب متعلقة بالسلامة”.

وأيّد البروفسور راولت الدراسة التي وقعها زميل له البروفسور فيليب بارولا، وكتب في تغريدة مستشهداً بكلام لوينستون تشرتشل “+ليست النهاية. ليست حتى بداية النهاية. لكن قد تكون نهاية بداية+… الحرب على الكلوروكين”. لكن جميع الموقعين على الرسالة المفتوحة ليسوا مدافعين عن الهيدروكسي كلوروكين.

وكتب البروفسور فرنسوا بالو، الأستاذ بكلية يونيفيرسيتي كوليدج في لندن، في تغريدة “لدي شكوك جدية حول فوائد علاج كوفيد-19 بالكلوروكين/هيدروكسي كلوروكين، وأنا أتطلع إلى نهاية لهذه المسألة، لكنني أعتقد أنه لا يمكن التطرق إلى نزاهة البحث فقط عندما لا تسير مقالة ما في اتجاه يؤيد تصوراتنا المسبقة”. وأضاف “لقد أضفت اسمي إلى الرسالة المفتوحة بقلب ملؤه الأسى”.

وتشارك الكثير من العلماء إن كانوا موقعين أم لا على الرسالة، مخاوفهم بشأن تأثير هذه القضية على العلم، خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وقال البروفسور جيلبير دوراي من مستشفى بيتيي-سالبيتريير الجامعي في باريس “إذا كان مقال ذي لانسيت مزوراً فهذا الأمر سيحطم الثقة بالعلماء بشكل مستدام”. وأضاف “أنتظر بقلق نتائج التحقيق”.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق