الفساد بالمغرب.. لوبيات تتغول بمباركة الحكومة - نيوز بريس
ملف الأسبوع

الفساد بالمغرب.. لوبيات تتغول بمباركة الحكومة

الفساد في المغرب ظاهرة بنيوية تستنزف ما يناهز 50 مليار درهم سنويا أي ما يعادل 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام. هذه الخلاصة المحبطة تتردد في أروقة المجتمع المدني وفي الأوساط الإعلامية وفي أصداء الرأي العام منذ سنوات. لكن ما يزيد من ضبابية المشهد هو استمرار ظاهرة التساهل والتطبيع سواء في المنطق التشريعي أو في الإجراءات التنفيذية أو على مستوى الإرادة السياسية.

تتزايد مظاهر الفساد والرشوة بينما تستمر الحكومة في نهج سياسة النعامة وتجاهل ما يحدث من حولها، وتستمر اللوبيات في تعطيل كل ما من شأنه تطوير آليات المراقبة والمتابعة والتفعيل الحقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. هذه هي الصورة بأرقامها القاتمة، وهذا هو رد الفعل المشجع.

الفساد يتحول إلى ثقافة

لا يبالغ الكثير من المراقبين عندما يعتبرون أن الفساد بكل مظاهره وألوانه تحول إلى ثقافة متفشية ق وشائعة في المغرب. تبدأ علاقة المواطن بهذه الثقافة من أدنى وأصغر تجلياتها في تدبير الإجراءات الإدارية الروتينية إلى أعلى مستوياتها حيث يقترن الفساد بالسلطة ودواليب القرار. زواج المال والسلطة، استغلال النفوذ، التربح، الرشوة، نهب المال العام، المحسوبية، الزبونية كلها عناوين تحاول محاصرة الظاهرة التي لم تعد انعكاساتها تستثني أحدا.

هذه الانعكاسات تبدأ أولا من الهدر الاقتصادي والمالي الكبير الذي تسببه كلفة الفساد في المغرب. وتقدَّر منظمات المجتمع المدني كُلفة الفساد في المغرب بحوالي 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، أي ما يعادل 50 مليار درهم سنوياً. وتحظى الصفقات العمومية بحصة الأسد من هذه الكلفة الثقيلة في بلد لا يتعدى معدل النمو الاقتصادي فيه 3 في المائة في أحسن الأحوال. فالرشوة والفساد في الصفقات العمومية يُكلفان حوالي 27 مليار درهم.

وفي ظل استمرار التطبيع مع الفساد وسيادة الإفلات من العقاب تبقى هذه الأرقام نسبية ومرشحة للارتفاع بشكل سنوي. وفي الوقت الذي يبحث فيه المغرب عن نموذج تنموي فعال وناجح لتجاوز الإخفاقات والتعثرات الاقتصادية والاجتماعية فإن الكثير من نشطاء المجتمع المدني يحذرون من أن كل المشاريع المرتقبة ستلقى مصير سابقاتها ما لم يتم القطع مع الفساد والرشوة واقتصاد الريع وربط المسؤولية بالمحاسبة.

هذا ما أكدته جمعية حماية المال العام في بيان لها بعد الترتيب الأخير لمنظمة ترانسبارانسي الدولية، حيث أشارت إلى أن “الاستمرار في التطبيع مع الفساد والإفلات من العقاب يُشكل خطورة حقيقية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ويُقوِّض سيادة القانون والعدالة، ويُساهِم في احتكار الثروة من طرف فئة محدودة وخلق تفاوتات مجالية واجتماعية”.

ودعت إلى “إعادة النظر في النص الجنائي المتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع حتى يتضمن عقوبات سجنية تُحقق الردع الخاص والعام مع توسيع المشمولين بمقتضياته، بمن فيهم الزوجان معاً، والأبناء سواء كانوا قاصرين أو راشدين”.

وسجلت الهيئة ذاتها “غياب إرادة سياسية حقيقية للتصدي للفساد والرشوة ونهب المال العام رغم النوايا المُعبر عنها في أكثر من مناسبة بخصوص تخليق الحياة العامة”. وترى الجمعية أن الوضع يستلزم “تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، وصياغة منظومة قانونية موحدة وعصرية ضد الفساد والرشوة، انسجاماً مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد”.

وللفساد، حسب الجمعية، تداعيات خطيرة على مستقبل المغاربة في الحرية والكرامة والعدالة”، موردة أنه “يجعل المغرب يُصنف ضمن تقرير الأمم المتحدة المتعلق بالتنمية البشرية في المركز 123، كما يأتي في آخر الترتيب الدولي بالنسبة للدخل الفردي وتتقدم عليه دول إفريقية وعربية في هذا المجال”.

الفساد يتحول إلى مؤسسة

هذا الواقع القاتم حول الفساد تدريجيا إلى أكثر من مجرد ثقافة. لقد أصبح أيضا مؤسسة قائمة الذات، بل هو من أقوى المؤسسات في المجتمع. وعندما نقول مؤسسة فإن هذا يعني وجود حماة ومدافعين عن سير هذه المؤسسة وتنظيمها. وهذا ما يعكس ببساطة النقاش الدائر حول تعديل القانون الجنائي لتجريم الإثراء غير المشروع. هذه التعديلات المطروحة على البرلمان تراوح مكانها منذ ما يقرب من أربع سنوات في قبة البرلمان.

وبينما يتم تأجيل الحسم في صيغة هذه القوانين المجرمة للإثراء غير المشروع تزداد مؤسسة الفساد قوة ونفوذا في ظل غياب الردع والمحاسبة. وما يؤكد قوة منظومة الفساد هو صمودها المريح في وجه كل الاستراتيجيات والخطط والهيئات الحكومية التي تم إطلاقها منذ سنوات في مسلسل مكافحة الفساد. وكان المغرب قد أطلق استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد بشكل متأخر سنة 2016، تمتد من 2015 إلى غاية 2025، بهدف توطيد النزاهة والحد من الفساد بشكل ملموس، رُصدت لها ميزانية ضخمة تقدر بحوالي 1,8 مليار درهم.

وبعد مرور سنوات من انطلاق الاستراتيجية، لم تظهر على أرض الواقع أية نتائج رغم العديد من النوايا التي صرح بها المسؤولون. وبعد أن قطعت هذه الاستراتيجية خمس سنوات لا تزال تنتظر تفعيل حقيقيا على أرض الواقع بتفعيل آلياتها التشريعية والمؤسساتية.

غياب الإرادة السياسية

وبعد أن تحول الفساد إلى ثقافة ممؤسسة فإن القرار السياسي في نظر الكثير من المتابعين يعتبر المفتاح الوحيد والنهائي لهذه المعضلة. ففي ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية تبقى كل الاستراتيجيات مفرغة من المحتوى ويستمر نزيف الكلفة المهولة التي تنهك الاقتصاد الوطني وتأكل من قوت المغاربة. ومن مظاهر غياب هذه الإرادة تقاعس نواب الأمة عن الحسم في قانون تجريم الإثراء غير المشروع.

هذا ما دفع منظمة ترانسبارانسي الدولية إلى انتقاد البرلمان وتقاعسه في تبني مشروع القانون يجرم الذي يهم بالأساس الموظفين المكلفين بمهام رسمية، داعية إلى ضرورة تضمينه عقوبات بالسجن في حق الأشخاص الذين يثبت اختلاسهم أموال عمومية. وقال الامين العام للمنظمة بالمغرب أحمد البرنوصي، في مؤتمر صحافي بالرباط، « بادرنا للاحتجاج من خلال مراسلة البرلمانيين بعدما لاحظنا تهربا وتقاعسا في إخراج قانون الإثراء غير المشروع »، معتبرا أن « الرشوة بنيوية في المغرب ولا يمكن أن تحارب فقط بالغرامات » التي يتضمنها مشروع القانون. وينص مشروع القانون الذي أحالته الحكومة على البرلمان في 2016 قصد مناقشته ثم تبنيه، على فرض غرامات ما بين 100 ألف إلى مليون درهم في حق أي شخص « تبثت زيادة كبيرة وغير مبررة لذمته المالية أو ذمة أبنائه»، بعد توليه لمهمة أو وظيفة عمومية.

لكن العرقلة التي يواجهها القانون منذ 2016 وكذا تضمينه عقوبات تصالحية من قبيل الغرامات والدعائر يؤكد أن الإرادة السياسية الكاملة في مواجهة الفساد لم تتوفر بعد. ويتهم الكثير من النشطاء البرلمانيين بمحاولة حماية أنفسهم وحماية المسؤولين الذين يمكن أن يتحملوا مهام رسمية من خلال إفراغ القانون من العقوبات الحبسية الزجرية الثقيلة. ويظهر الفراغ السياسي في تدبير معضلة الفساد في آراء ومواقف المواطنين الذين يعانون من تداعيات هذه الظاهرة. فقد استطلاع للرأي أنجزته منظمة ترانسبارانسي المغرب أن 74 بالمئة من المواطنين المستجوبين يعتبرون أن الحكومة لم تقم بعمل جيد لمكافحة الفساد في سنة 2019، بينما لم تكن هذه النسبة تزيد عن 64 بالمئة في 2015.

ورغم أن الحكومة الحالية بدأت خطابها الانتخابي برفع لواء الحرب على الفساد إلا أنها بعد تكليفها بمهمة تدبير الشأن العام سرعان ما رفعت الأعلام البيضاء وأطلقت شعار “عفا الله عما سلف” وتراجعت عن بعض التدابير التي وعدت بها. بل إن الحكومة لم تتوقف عن إطلاق المبادرات التصالحية تجاه مهربي الأموال من أجل استرجاعها. وهذا ما أعلنته قبل شهرين من أجل تشجيع البعض من هؤلاء على إرجاع أموالهم إلى المغرب لكن الحصيلة المحققة لحدود الساعة لا تزال هزيلة وبعيدة عن كل التوقعات التي وضعتها الحكومة في إطار تدبيرها للأزمة المالية والاقتصادية.

وتقترب الولاية الحكومية من الانتهاء دون تحقيق إنجاز ذي قيمة فيما يتعلق بمحاربة الفساد والحد من اقتصاد الريع. ورغم كل الإغراءات التي تضمنها قانون المالية 2020 إلا أن الحصيلة لا تبشر بالخير. ومنح العفو المقترح المعنيين مهلة بين أول يناير و31 أكتوبر2020 للتصريح بالأموال وإرجاعها. ويُعفى المستفيد من دفع الرسوم على دخول الأموال بنسبة 5%، في حال أودع 75% من أمواله في حساب بالعملة الصعبة و25% بالدرهم المغربي، ويستفيد من يختار تحويلها إلى الدرهم من إعفاء من الرسوم بنسبة أكبر.

كل هذه الإجراءات لن تكفي في حل المشكلة فإذا كانت ستشجع البعض على إعادة مبالغ معينة من الأموال المهربة فإنها قد تفتح من جانب آخر المجال على مصراعيه على كل المحتالين على الإجراءات القانونية من أجل استنزاف العملة الصعبة والثروات الوطنية. وهذا ما يجعل قوانين “عفا الله عما سلف” تشجيعا للفساد والرشوة وتكريسا لهذه الثقافة.

إقرأ أيضا: أونسا تنقذ المغاربة من 17 ألف طن من المواد الغذائية الفاسدة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق