العلمي يشهر الفيتو أمام استيراد الكمامات الطبية ويعرض الأطر الطبية للخطر - نيوز بريس
ملف الأسبوع

العلمي يشهر الفيتو أمام استيراد الكمامات الطبية ويعرض الأطر الطبية للخطر

يخوض وزير الصناعة “عبد الحفيظ العلمي” حرب طاحنة خلال مرحلة الطوارئ الصحية التي تمر منها البلاد ضد استيراد الكمامات، ويشهر ورقة المنع أمام بعض المقاولات التي استوردت ما يزيد عن 20 مليون كمامة بناء على صفقة موقعة مع وزارة الصحة، الشيء الذي يهددها بالإفلاس ويعرض العاملين بالقطاع الصحي للخطر، مستندا على صفته الحكومية وعضويته في لجنة اليقظة الاقتصادية، لفرض الهيمنة على قطاع إنتاج وصنع المستلزمات الطبية، وخصوصا منها الكمامات، ومستغلا ضعف وزارة الصحة التي تكاد تتحول إلى مجرد ملحقة تابعة لوزارته، بعد أن نجح في بسط نفوذه عليها وتجاوزت تدخلاته اختصاصات وزير الصحة ، وطاقمه المختص في مراقبة المعايير والمصادقة على كل ما يخص صحة المواطنين.

عندما قررت وزارة الصحة، تجميع المصابين بفيروس كورونا في كل من مستشفيي “بنسليمان” و”بنجرير”، كان غرضها من ذلك، فسح المجال من جديد، أمام المستشفيات الجامعية والمصحات لاستقبال المرضى المقبلين على الاستشفاء في تخصصات أخرى، بعد تعطل عمل معظمها بسبب تفشي الجائحة، لكن هذا القرار، يواجه مشكلة عدم كفاية الكمامات الطبية والجراحية الضرورة في هذه المستشفيات، لحماية العاملين بها، حتى يتمكنوا من مزاولة مهامهم في ظروف آمنة وبعيدة عن المخاطر.

منع كمامات تحظى بموافقة وزارة الصحة

تؤكد الإحصاءات المتوفرة عن القطاع الصحي، بأن المغرب غير قادر على صنع العدد الكافي من الكمامات الجراحية الطبية الكافية تغطية طلبات المستشفيات والمصحات لغاية اليوم، ذلك أن مجموع ما يصنعه إلى حدود هذه اللحظة، لا يتعدى 1 مليون كمامة في الشهر، موزعة بين ما تنتجه شركة مغربية الوحيدة المتخصصة في صنع هذا النوع من الكمامات إلى جانب الكمية التي ينتجها الدرك الملكي داخل مؤسسات تابعة له من كمامات لمستشفياته العسكرية، على اعتبار أن الكمامات الجراحية الطبية لها معاييرها الخاصة التي تفرضها منظمة الصحة العالمية، والمقننة بالمغرب، بمقتضى القانون 84/12 الذي يفرض عددا من التحاليل على مصنعي وموزعي المعدات الطبية، إلى جانب تقديم الوثائق المطلوبة من أجل الحصول على شهادات الموافقة من مصالح وزارة الصحة المعنية، تسمح باستعمال هذا النوع من الكمامات المخصصة للعاملين في المجال الصحي والتي تختلف تماما عن الكمامات العادية الموجهة للعموم، لهذا السبب لجأت وزارة الصحة في شخص وزير الصحة إلى إبرام صفقتين في منتصف مارس الماضي مع الخواص، لاستيراد 25 مليون كمامة جراحية طبية، كافية لسد الخصاص.

إلاّ أن الشركتين اللتان حازتا على الصفقة وقف القوانين والإجراءات الجاري بها العمل، ستجدان نفسيهما في مواجهة مباشرة، ليس مع وزير الصحة، ولكن مع وزير الصناعة “عبد الحفيظ العلمي” الذي أصدر دورية تلزم الحصول على الترخيص من وزارته لاستيراد الكمامات، وهي الدورية التي تحمل رقم 311/6058 بتاريخ 05 يونيو 2020. لكن وزير الصناعة، وفي تحد صارخ للقانون، أصر على تطبيقها بأثر رجعي، وهو ما يناقض تماما، مقتضيات المادة 6 من دستور المملكة لسنة 2011، علما أن الصفقة المبرمة والمسجلة لدى مصالح وزارة الصحة تحت رقم 28/2020/DA/CS، تم التوقيع النهائي عليها بتاريخ 17 مارس 2020، أي قبل صدور دورية وزير الصناعة بأكثر من شهرين.

وزير فوق الحكومة

الأخطر من هذا كله، هو أن وزير الصناعة، منع إعطاء الإذن بخروج أل 15 مليون وحدة من هذه الكمامات الجراحية والصحية، من المصالح الجمركية بمطار محمد الخامس بالدار البيضاء، علما أن وزارة الصحة، سبق لها أن تسلمت، تنفيذا لهاتين الصفقتين، 10 ملايين كمامة كدفعة أولى، بنسبة 5 ملايين كمامة عن كل شركة على حدى، وأغرب ما في الأمر، أن وزارة الصحة لم تبد أي تحفظات على جودة هذه الكمامات، بل نالت استحسان وموافقة مصالحها المكلفة بالمراقبة الصحية كونها تستجيب للمعايير الصحية المعتمدة من لدن منظمة الصحة العالمية.، والأغرب من هذا كله، أن الطلبية المذكورة خاصة بوزارة الصحة وموقعة من طرف وزير الصحة ” خالد آيت الطالب” ولا حق لوزير الصناعة في وضع الفيتو عليها، اللهم إن كان وزيرا فوق العادة، داخل حكومة من المفروض أن كل وزير فيها له الحق الحصري للتقرير في شؤون وزارته، وفق ما يقتضيه مبدأ احترام الاختصاصات، وليس التطاول عليها.

ففي الوقت الذي استطاعت فيه، الشركات المتعاقدة مع وزارة الصحة، وبمشقة الأنفس جلب ال 20 مليون كمامة جراحية صحية للمغرب، في ظل الظروف الصعبة التي يمر منها العالم ولجوء عدد من الدول إلى السطو بالقوة على هذا النوع من الكمامات، نجد وزير الصناعة حاملا لمنطق آخر في التعامل مع الوضع، مفضلا حجز الكمامات بالمطار على أن يستفيد منها العاملون بالصحة والذين هم الآن في أمس الحاجة إليها.

حق يراد به باطل

بعدما كانت الشركات المتعاقدة تنتظر تسليم ال 15 مليون كمامة الجراحية الصحية الجاثمة بمستودعات مطار محمد الخامس لوزارة الصحة، فوجئ أصحابها بقرار الوزير “عبد الحفيظ العلمي” الذي أصر على خرق القانون، من خلال تفعيل دوريته عدد 6058/311 التي أصدرها لهذا الغرض بتاريخ 05 يونيو 2020 ، كي تسيري بأثر رجعي على صفقة وقعت بنودها مع وزارة الصحة وأشر عليها الوزير “آيت الطالب” شخصيا يوم 25 مارس 2020 لعرقلة إتمام الصفقة ويدخل الشركة في مسلسل التسويف والتماطل، فهل شعار ” حماية المنتوج الوطني” هو الذي كان وراء إشهار هذا الفيتو؟

للجواب على هذا السؤال، يجب أن نفهم، بأن الكمامات التي ” يتباهى” وزير الصناعة بإنتاجها اليوم، هي كمامات عادية، يمكنها أن تكون صالحة لوقاية الأشخاص في الشارع والأماكن العامة، ولكنها، غير فعالة بالنسبة للأطر الصحية، في حين أن للكمامات الجراحية والطبية، مواصفات خاصة، وتتوفر على شهادة المعايير الصحية التي تفرضها وزارة الصحة، وهذا ما تؤكد عليه هذه الوزارة ذاتها، في كل حملاتها الإعلانية والتواصلية، علاوة على القرار الذي سبق أن أصدره وزير المالية والاقتصاد رقم 1020.20 الصادر في 31 مارس 2020 والمتعلق باتخاذ تدابير مؤقتة ضد ارتفاع أسعار الكمامات الواقية، والذي يحدد فيه سعر ” الكمامات غير المنسوجة الموجهة للاستعمالات غير الطبية”، تمييزا لها إذن، وبشكل لا لبس فيه، عن الكمامات الأخرى، موضوع هذا التحقيق، والمتعلق بالكمامات الطبية.

وعليه، فمسألة ” حماية المنتوج المحلي” مجرد شعار، أو حق أريد به باطل، إذ لا ينطبق تماما على الحالة التي نحن بصددها، لاسيما في ظل الخصاص المهول الذي يعانيه الأطباء من هذا النوع من الكمامات، وأكثر من ذلك، مازالت وزارة الصحة، لحد الساعة، لم تسلم أي شهادة خاصة بمطابقة المعايير الصحية، لأي شركة من الشركات التي كلفها وزير الصناعة “عبد الحفيظ العلمي” بصنع الكمامات المعلومة، بل حتى الأشخاص أو الشركات المحلية، الذين قال بخصوصهم – نفس الوزير- بأنهم سيصنعون آلات التنفس الإصطناعي، لم تحظ “اختراعاتهم” بتزكية وزارة الصحة، لعدم توفر المعايير المطلوبة لتسليمها هذه الشهادة، فما بالك بالكمامات الصحية والجراحية!؟

حجز غير قانوني

يبدو إذن، أن قرار الحجز على هذه الكمامات لا يستند على أي مبرر قانوني أو مسطري أو حتى علمي، وأن الضرورة الملحة تفرض رفعه بشكل مستعجل حماية للأطر الصحية، وإنقاذا لمصالح هذه الشركات من الخسارة، في وقت تحتاج فيه مقاولات البلد لجرعات من الأوكسيجين وليس العكس، لاسيما أن وزير الصحة، على علم بالمجهودات التي بذلتها هاتين المقاولتين في تنفيذ الطلبية، وهو يدرك أن الصعوبات التي أدت إلى التأخير لمدة شهر، كانت خارجة عن إرادة الشركة المتعاقدة، وخارجة حتى عن قدرة الدولة المغربية في التدخل، نظرا لضغوطات الدول العظمى من أجل الاستحواذ على مثل هذه الصفقات بالقوة.

أما باقي التأخيرات فهو ناتج عن عدم مد يد المساعدة للمقاولتين، بالتراخيص اللازمة لتسهيل عملية الإستيراد، إلى جانب عدم تيسير عملية تسليم التراخيص المطلوبة لشركة الخطوط الملكية المغربية، لتقوم بجلب الكمامات المذكورة من الصين، تنفيذا لتعاقدها مع الشركة صاحبة الصفقة، مما إضطرها ( أي الخطوط الملكية) إلى فسخ العقدة التي تقارب قيمتها المليار سنتيم، لفائدة شركة الطيران الإماراتية “أرامكس”، باعتبارها غير ملزمة قانونا بترخيص وزارة الصحة لنقل المستلزمات الطبية للمغرب كما هو الحال بالنسبة للطيران الوطني الذي يخضع لشتى أنواع المراقبة والحصار! وتتمكن بالتالي هذه الشركة الإماراتية من الاستحواذ على مبلغ يفوق 1 مليار سنتيم، بذل أن تستفيد منه شركة الخطوط الملكية المغربية.

الوزير العاجز

لقد أصبح منطق تبادل الأدوار ظاهرا هذه القضية الغريبة بين وزير الصحة، الذي بدأ يُطالب المقاولتين بالإسراع بتسليم باقي الطلبية عبر توجيه الإنذارات بدعوى التأخر، في الوقت الذي يعلم فيه، بأن سبب ” البلوكاج” يعود إلى الدورية التي أصدرها زميله في الحكومة وزير الصناعة عبد الحفيظ العلمي، كما يعلم أيضا، أن حجز الكمامات المستوردة بالمطار غير قانوني، لأنه يخالف مبدإ دستوري يقضي بعدم رجعية القوانين من جهة، ومن جهة أخرى، يؤشر عن عجزه في التدخل لدى زميله من أجل وضع حد لحالة التطاول على اختصاصاته، وحماية المتعاقدين معه من الشطط في استعمال السلطة الذي بات يمارسه هذا الوزير عليهما، دون التمكن من الإفراج على الكمامات المحبوسة في المطار، رغم حاجة الأطر الطبية والجراحية الماسة إليها.

ما رأي رئيس الحكومة؟

إن الدرجة التي وصلت إليها هذه التجاوزات، تستلزم تدخلا فوريا من طرف رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، الذي بنى برنامجه الحكومي، على حماية مصالح المواطنين وحماية المقاولة والاقتصاد الوطنيين، من أجل وضع حد للظلم و”الحگرة”، وإلزام كل من يتجاوز القانون بالوقوف عند حده، والامتثال لما ينص عليه، إذ لا أحد في الدولة بإمكانه إصدار الدوريات على هواه، والعبث بمصالح الاستثمار الذي ينزف دما خلال هذه الظرفية القاسية، التي توشك على تشريد الآلاف من المستخدمين، وعلى وزير الاقتصاد والمالية الذي يتحمل مسؤولية النهوض بالاقتصاد الوطني بعد نكبة كورونا، التدخل لإفهام زميليه في الحكومة، الصحة والصناعة، بأن إلغاء الصفقات، له إجراءات معقدة يتعين سلكها، وليست أمرا على الهوى، والجميع يتذكر، واقعة ” الوردي” الوزير السابق في الصحة، الذي اضطر في وقت سابق، إلى دفع تعويضات باهظة من جيوب المغاربة عندما حاول فسخ صفقة مشابهة دون احترام لقانون الصفقات العمومية.

يبدو إذن، أن على وزير التجارة والصناعة، احترام الدستور وألا يتطاول على قواعده التي تقضي بعدم رجعية أي قانون مهما بلغت درجة قوته، وأن يلتزم بعدم السطو على صلاحيات وزير الصحة ووزير الداخلية اللذين خول لهما قانون الطوارئ المطبق حاليا في البلاد تدبير مرحلة الحجر الصحي التي تعطل معظم صلاحيات وزارة الصناعة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق