الربا حلال الربا حرام..جدل فقهي أم انتخابي؟ - نيوز بريس
ملف الأسبوع

الربا حلال الربا حرام..جدل فقهي أم انتخابي؟

الربا حلال الربا حرام.. جدل فقهي أم سياسي. في يوم 27 يناير الماضي ترأس الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط، حفل تقديم “البرنامج المندمج لدعم وتمويل المقاولات” وتوقيع الاتفاقيات المتعلقة به لتفعيل مبادرة “انطلاقة” التي ستتيح للمقاولات الشابة الاستفادة من قروض تمويل بنسبة فائدة لا تتجاوز2 في المائة. ولم تكد تفاصيل المشروع تنكشف أمام الجميع حتى بدأت زوبعة من الجدل تثار حوله مستعيدة ذلك الخلاف القديم الجديد حول مدى شرعية القروض البنكية واعتبارها قروضا ربوية أم تجارية.

المفتي والسياسي

هذا الجدل افتتحه أحمد الريسوني، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والرئيس السابق لحركة التوحيد والإصلاح التي تعتبر بمثابة الجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية. فعلى غير المتوقع زكى الشيخ الريسوني المعروف بتوجهاته ومواقفه الصارمة في كثير من القضايا الفقهية قروض البرنامج الجديد، الذي أطلقته الحكومة لدعم الشباب بالقروض ذات نسب الفائدة المنخفضة، مشيدا خلال رده على تساؤلات الشباب حول الرأي الشرعي، في الاستفادة من هذا البرنامج، بالتوجه الاجتماعي لمبادرة الدولة، الرامية إلى تشجيع البنوك على تقديم قروض مخففة، وميسرة، ومضمونة بنسب ضئيلة، تصل إلى 2 في المائة للمقاولين الشباب في المدن، و1,75 في المائة في البادية، والعالم القروي لتمويل مشاريعهم.

واعتبر الريسوني قروض برنامج “انطلاقة” غير ربوية، بل إنها حسنة مستحسنة، ومحمودة شرعا وليست من الربا ، وهي من القروض، التي أمر بها الشرع، معتبرا أنها ليست مبادرة ربحية، وتجارية، والنسبة المخفضة فيها لا تعطي ربحا يذكر للبنوك، ولا لأي مؤسسة أخرى، وهذا التوجه، حسب قوله، يجب الإشادة به، واستحسانه، إذ إنه يتجه وجهة شرعية محمودة، سواء من الدولة، أو الأغنياء، ولم يكد الفقيه المقاصدي الريسوني يصدر فتواه حتى انطلقت سهام الصراع الداخلي في حزب العدالة والتنمية بين أقطابه.

وبدل أن تأتي الردود من فقهاء الحزب في حركة التوحيد والإصلاح تكفل الوزير السابق والقيادي عن حزب العدالة والتنمية، محمد نجيب بوليف بالرد على الريسوني من خلال تدوينة له عبر صفحته الخاصة بالفايسبوك، أثارت الكثير من الجدل بين نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي.

وجاءت تدوينة بوليف مركزة ومستهلة بمنطق فقهي حيث قال فيها بوليف: “قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الربا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الربا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. الربا قليله وكثيره، له نفس الحكم، ولو كان الحق سبحانه يريد أان يفرق بينهما لما غفل عن ذلك…عز وجل…والأبناك التشاركية المغربية والحمد لله موجودة لتقوم بما يلزم…”.

جدل داخلي

بدا إذا من خلال هذين الموقفين المتعارضين أن برنامج “انطلاقة” وضع حزب العدالة والتنمية في فوهة خلاف داخلي حول قضية من القضايا التي تعتبر نواة في مرجعيته الإسلامية. ومن الواضح أن هذا الخلاف هو استمرارية لمسلسل من المخاضات التي يعيشها الحزب منذ انطلاق تجربته الحكومية في مواجهة القضايا المجتمعية التي ترتبط بالتصور الفقهي في ثقافة المجتمع المغربي.

إنه جدل يمكن أن يحلق بكل ما سبق أن أثير داخل الحزب نقاشات حول قضايا الحريات الشخصية والحجاب والعلاقات الجنسية والذي عرف في السنتين المنصرمتين تسجيل مواقف لم يكن من المتوقع صدورها عن الحزب الإسلامي الحاكم.

لكن جدل الربا والفوائد البنكية تغلفه اعتبارات أعمق على ما يبدو. فالموقف الذي صدر عن محمد نجيب بوليف الذي خسر مقعده الوزاري في الحكومية، لم يكن ليصدر عنه لو ظل الرجل عضوا في حكومة صاحب الجلالة. ومن هنا يعتبر الكثير من البيجيديين تدوينة بوليف مجرد مزايدة سياسوية لا أقل ولا أكثر، غرضها التشويش على عمل الحكومة. وهذا هو الرد التي تبنته الحكومة على لسان ناطقها الرسمي لحسن عبيابة.

ورفضت الحكومة الموقف الذي عبر عنه محمد نجيب بوليف. وأوضح الحسن عبيابة، وزير الثقافة والشباب والرياضة الناطق الرسمي باسم الحكومة، في الندوة الصحافية الأسبوعية، أن المجلس العلمي الأعلى هو الجهة الوحيدة المخول لها إصدار الفتوى، وقال: “لا نقبل أي فتوى من أي شخص، سواء داخل المغرب أو خارجه”.

وأردف “لسان الحكومة” قائلا: “نحن دولة مؤسسات والحق والقانون، وهذا مشروع ملكي ضخم يهدف إلى إحداث آلاف مناصب الشغل ودعم المقاولات”، معتبرا ما صدر عن “الفقيه بوليف” يقف ضد تشغيل المغاربة. وشدد عبيابة على أن “الحكومة تثمن عاليا المبادرة الملكية التي من شأنها أن تطور عمل المقاولات وتمنح الفرص للشباب”، موردا أن “المغاربة استقبلوا هذه المبادرة بكل فرح وسرور”.

البيجيدي يتبرأ

لكن رفض الحكومة المؤسساتي ليس كافيا في نظر حزب العدالة والتنمية. فالحزب أصبح يفطن إلى مطبات التواصل السياسي وعواقبها على مكانته في هرم السلطة والتدبير. لهذا كان لزاما أن لا يكتفي برد الحكومة التي تضم طبعا إلى جانبه حلفاء الأغلبية الذين ينتمون إلى أحزاب أخرى.

هذا ما دفع مسؤولين رفيعين داخل هرمية الحزب للتعبير بدورهم عن موقف رافض لما صدر عن أخيهم بوليف. وفي هذا الإطار كان لزاما أن يتكفل صقر من صقور الأمس بالرد، فأكد المصطفى الرميد عضو الأمانة العامة للحزب، أن حزب « البيجيدي » لا يعارض مبادرة « قروض المقاولات »، الذي أطلقه الملك محمد السادس. وأوضح الرميد في تصريح لأحد المواقع الإلكترونية الإخبارية أن رأي بوليف لايمثل حزب العدالة والتنمية، قائلا بأن الحكومة تحترم كل الآراء التي تعبر عن قبولها أو رفضها للمبادرة، مؤكدا على أن الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية لا تعارض المبادرة.

هذا الموقف في حدا ذاته يعتبر تطورا كبيرا في رؤية الحزب الإسلامي وفي مسيرته نحو تقليص المسافة بينه وبين باقي التيارات السياسية الأخرى المحسوبة على التيار التقدمي والحداثي. فبعد تجاوزه لمسألة الموقف من القروض البنكية يبدو أن حزب العدالة والتنمية قد أضحى مستعدا في محطات قريبة إلى المزيد من تليين المواقف وتجاوز الكثير من القضايا الخلافية مع باقي الفرقاء السياسيين في ملفات تمس مباشرة مرجعيته الدينية. نذكر منها على سبيل المثال ملف الإجهاض وقضية الحريات الجنسية والفردية وغيرها.

دفاع عن الأبناك التشاركية أم تسخين انتخابي

لكن “فتوى” بوليف المضادة لفتوى الريسوني انطوت على إشارة سياسية مهمة. لقد ختم وزير النقل السابق فتواه بالقول إن “الأبناك التشاركية المغربية والحمد لله موجودة لتقوم بما يلزم”.

هذه العبارة تلخص في الحقيقة لب تدخل الوزير بوليف الذي يرى بعض المتابعين أن معارضته لقروض “انطلاقة” ليست سوى دفاعا مبطنا عن تجربة الأبناك التشاركية التي يعتبر حزب العدالة والتنمية أكبر عرابيها. فعلى ما يبدو فإن الحزب كان يتوقع أن تستفيد الأبناك الإسلامية من كعكة قروض المقاولين الشباب لتساهم في تطوير التجربة التي لا تزال في بداياتها وتواجهها الكثير من العراقيل التشريعية والمؤسساتية.

ولا ينفي كثير من نشطاء التيار الإسلامي السياسي في المغرب أن تجربة الأبناك التشاركية يراد لها أن تظل صغيرة ومحدودة ولا يفسح لها المجال بحرية لمنافسة تجربة الأبناك التقليدية. ومن هنا فإن ما عارضه محمد نجيب بوليف في الحقيقة ليس هو مسألة “الربا” بقدر ما هو حق هذه الأبناك في التوسع وتنمية مواردها ولعب أدوار اقتصادية أكبر في النسيج الاستثماري والمالي للمغرب.

لكن من الواضح أن ما حدث من جدل بين الأخوين الريسوني وبوليف، يذكر بمشهد مستهلك داخل صف الحزب الإسلامي. إنه مشهد سبق أن تكرر بين بنكيران والعثماني، وبين الرميد وبنكيران وبين ماء العينين والرميد، فهي مجرد صراعات “مفبركة” حسب رأي بعض المحللين الهدف منها هو الحفاظ على شعرة معاوية من البقية الباقية من شعبية الحزب الذي خسر كثيرا من رصيده في التجربتين الحكوميتين السابقة والحالية.

فدفاع بوليف عن الرؤية الشرعية ومجادلة الفقيه المقاصدي الريسوني في ذلك، حملة انتخابية سابقة لأوانها هدفها التأكيد على مواصلة الحزب استثمار الرصيد المرجعي الديني كقاعدة أساسية لتسيير الحزب ولبرامجه وتصوراته الحالية والمستقبلية. فانخراطه في التجربة الحكومية استنزف منه الكثير من التضحيات والتنازلات ومن أخوف ما يخافه الحزب أن تتأثر قواعده الوفية من المنخرطين والمتعاطفين بالمواقف المخيبة التي بدأت بالتضحية بعبد الإله بنكيران ومرت بحجاب ماء العينين لتصل اليوم إلى جدل الربا والقروض البنكية.

إقرأ أيضا: الرميد : “بصحة جميع الناس لي كيشفروا فهاد لبلاد”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق